حقيقٌ بنا أن نرفع صوتَنا، وقد حان وقتُ أذانِ كرامتنا وسُمعتنا أن يُرفع. حقيقٌ بنا أن نبذل قُصارى جُهدنا بكلّ شرائحنا في لجم من يَعيث في شوارعنا فساداً وإفساداً، ويشوّه سمعة منطقة بأكملها. في وجه من يُرعب هذا وينشلُ تلك، في وجه تلك المافيات القذرة التي تخدّر شبابَنا وتُحطّم أمانيهم وآمالهم وهم في ريعان أعمارهم. وكذلك بوجه تقصير دولتنا وعدم قيامها بما عليها تجاه بقعة تعاني الكثير من الحرمان والتهميش على أصعدة مختلفة.

ولا ينبغي بعد الآن أن نسكت عمّا يجري في بيئتنا، على أيدي تلك الزُمَر المتفلتة من الشرع والقانون، وهي في ذلك تسوّد صفحة أبناء البقاع بعشائره وعائلاته، الذين قدموا مئات الشهداء دفاعًا عن أرض لبنان وشعبه، حتى صارت تلك الزمر وكأنها هي من يمثل البقاعيين وتظهرهم وكأن بينهم وبين القانون طلاقاً ونفوراً!
وفي ظل عدم لجم المتفلتين عن القانون، ما عاد لعلماء البقاع ولا لأطبائه ومحاميه ومهندسيه ومعلميه ووجهائه من أبناء البيوت الطيبة أي دور، إنما الدور وتسليط الضوء فقط هو لتلك الوجوه المخدِّرة والمخدَّرة ولمافياتهم!
ولنا في هذا المقام تساؤلات عدة ينبغي توجيهها للإعلام، المرئي منه خاصة، منها: ما سرّ تضخيم سمعة هؤلاء وإظهارهم في بعض وسائل الإعلام وكأنهم من كبار رجالات تلك المنطقة؟ ما سرّ وصولهم إلى هذه الشهرة حتى وصل الحال أن ينتج «المغرضون» أعمالاً دراميةً تحاكي حياتهم وتظهرهم كأبطال؟
ما يجري في البقاع الشمالي من تجاوزات للنظام ومواجهات بالسلاح أسبابه متعددة، منها سياسي يضرب عميقاً في تاريخ لبنان منذ استقلاله بأن تبقى تلك المنطقة متفلتة، لا سلطة فيها للدولة ومؤسساتها الأمنية، والاكتفاء فقط بتجربة ما كان يقوم به بطرس عبد الساتر بتكليف من الرئيس فؤاد شهاب، بأن يقتصر دور الدولة على الإصلاح بين المتقاتلين، إذا لم يكن إذكاء العداوات وإشعال نار الاقتتال بين هذه العشيرة وتلك!.
ولا نجد في هذه الأيام خطواتٍ جدّية للجم من يعيث بالمنطقة فساداً وترويعاً للناس إلا بشكل متفرّق لا يُثلج قلبَ من يهيم حبّاً ببسط الأمن والسلام في تلك المنطقة الجميلة التي يشوهها أمثال هؤلاء.
وهناك أسباب اقتصادية، منها نسب البطالة المرتفعة في صفوف ابناء البقاع مما يزيد من نسبة الخارجين عن القانون، من دون أن توضع حتى الأن خطة إنمائية لتلك المنطقة أسوة بباقي المناطق ترفع عن كاهل أينائها ضيم البطالة والحرمان. وإذا أرادت الدولة فعلاً أن تعمد للتغيير فعليها أن تضع خارطة بعلبك الهرمل ضمن مخططاتها الإنمائية والتوظيفية والتعليمية والتربوية.
لسنا هنا بمقام تحليل أسباب ما يجري، وإنما تأكيد استيائنا، نحن البقاعيين، بأننا ما زلنا نعيش في قبضة المتفلتين، ورهنَ سمعتهم السوداء، من الهرمل إلى بعلبك إلى الضاحية الجنوبية. فيما نبرأ مما يفعلون، ونطالب الدولة بوضع حدٍ لهذا التفلّت، وأن لا يكون للسياسة وحساباتها المقيتة دورٌ في ذلك. كرامة أهلنا في بعلبك الهرمل أغلى من سياسات من يدير دفّة الحكم في أروقة إدارات هذه الدولة. ولن نرضى بعد الآن أن نعيش رهنَ الأراعن، إلى أيّ عائلة أو عشيرة انتموا، ممن لا يراعون حرمةً لدين ولا احتراماً لإنسان.
* كاتب ورجل دين.