الكتب المتبادلة بين وزارة الثقافة ومحافظ بيروت زياد شبيب في شأن العقار 1231 في الأشرفية لم تمنع أصحابه من تركيب السقالات على البناء المطل على شارع مونو، بالقرب من أبنية تراثية أخرى تمّ الحفاظ عليها وحوّلت إلى مقاهٍ. فيما قرار وزير الثقافة محمد داود (صدر أمس وينشر اليوم) بإعادة العقار إلى لائحة الجرد، ليس الأول من نوعه، ودونه مشاكل وفق مطلعين على الملف. إذ أن قراراً مماثلاً بضمه إلى لائحة الجرد كان قد صدر عن وزير الثقافة السابق روني عريجي. يومها تقدّم مالكو العقار بطلب الى الدائرة الفنية في مصلحة الهندسة في بلدية بيروت بالكشف على العقار، فصدر في 13 آذار 2018 قرار عن شبيب ألزم المالكين بترميم الأبنية بسبب «التشقّقات والتصدّعات» فيها، ليصدر بعدها قرار عن وزير الثقافة السابق غطاس خوري بالرجوع عن قرار عريجي وإخراج العقار من لائحة الجرد، قبل أن يصل الملف إلى شورى الدولة حيث قدّمت مراجعة أفضت إلى قرار إعدادي بوقف العمل بقرار خوري. علماً أن تقريراً أعدّته نقابة المهندسين بعد كشف مهندسين اختصاصيين على المباني بأنها «سليمة ولا تعاني من تصدّعات لكنّها تتطلب القيام بأعمال الصيانة اللازمة» (5 حزيران 2018)، أتبع بكتاب من نقيب المهندسين المعمار جاد تابت إلى المعنيين يؤكد أن «وضع الأبنية كان سليماً قبل البدء بأعمال الهدم وأن هذه الأبنية لم تكن مهددة بالسقوط ولم تكن تشكل خطراً على السلامة العامة».

قرار الشورى لم يصبح نهائياً بعد، وعلى هذا الأساس فإن «قرار داود الجديد قد يشكّل فاتحة لإعادة الطعن به، كونه يلغي ما سبقه من قرارات، ويفتح الباب على عدم محاسبة كل الأعمال المخالِفة التي جرت في العقار». إذ جرى التسويق للأعمال في العقار 1231 (ملك هبة شوكت ومرسال كيروز) على أساس الحفاظ على بعض واجهاته مقابل إنشاء برج تجاري داخلها.
وكيل مالكي العقار المحامي عصام صبح قال لـ«الأخبار»: «لم نتبلّغ القرار الجديد»، لافتاً الى أنه «عندما قام المالكون بشراء العقار (تبلغ مساحته 1850 متراً) عام 2010 حصلنا على إفادة من وزارة الثقافة بأن العقار غير مصنّف لنتمكّن من شرائه وإخلاء المأجور. وحين قررنا الهدم، طالبتنا الوزارة بكشف جديد فتقدّمنا بمراجعة لدى مجلس شورى الدولة... وقدمنا للوزير السابق غطاس خوري خرائط بما ننوي القيام به في العقار، أي الإبقاء على الواجهات وبناء برج ضمنه، وفي عهد الوزير عريجي اقترحنا عليهم شراءه فقالوا إن لا ميزانية لديهم. المشكلة هي في تضارب قرارات الوزراء المتعاقبين وفي تفويت فرصة الاستثمار في العقار من دون هدم واجهاته في حين ثمة أبنية في الشارع نفسه استثمرت وفق المبدأ نفسه».
انطلاقاً من ذلك، فإن الخشية تبقى قائمة من تجاوز وزارة الثقافة كما حدث في عقار آخر في الأشرفية يحمل الرقم 575 (شارع عبرين)، شهد مجزرة الأسبوع الماضي، حين هدم أحد أبنيته التراثية الخمسة تحت جنح الظلام رغم طلب الوزارة وقف أعمال الهدم. التجوّل بين الأبنية الخمسة، أو في «جزيرة مار نقولا» كما يعرفها السكان، يبيّن هول المجزرة. المباني التي كانت خمسة، يطلّ اثنان منها على الشارع العام فيما تتوارى خلفها ثلاثة مبان هُدم أحدها. المباني الأربعة الباقية، تتوسّطها بركة مياه وأشجار. في الخارج، كوّمت بعض الأحجار المنحوتة التي كانت ترتفع على شرفات المبنى المهدوم، في إشارة إلى نيّة نقلها إلى مكان آخر. بينما جرى تفكيك البلاط لإعادة بيعه.
المدير العام للآثار في وزارة الثقافة سركيس خوري أوضح لـ«الأخبار» أنه «في عام 1993 كلّف مجلس الوزراء شركة خطيب وعلمي إعداد دراسة حول الأبنية التراثية في بيروت، قسّمت خلالها إلى فئات (A, B, C, D) وفي المحصلة صنّف نحو ألفي مبنى ممنوعة من الهدم. لكن الأبنية باتت نحو 250، واللائحة أوقف العمل بها عام 2010، في عهد الوزير سليم وردة الذي طلب وقف العمل بها كونها غير مكتملة والعودة إلى المديرية العامة للآثار بشأن مصير كل مبنى تاريخي». ويضيف «هناك آلاف الأبنية التي يجب تصنيفها غير أن لدينا مهندسين اثنين فقط مسؤولان عن الكشف على الأبنية وتصنيفها. وفي غياب القدرة التقنية، نقوم بالتعامل مع كل حالة بشكل منفرد». عمل المديرية «على القطعة» في تصنيف الأبنية، بغياب الشجاعة والإرادة لدى الوزراء المتعاقبين، يعود إلى عدم إقرار مشروع قانون حماية الأبنية التراثية العالق لدى اللجان النيابيّة المشتركة. خوري يوضح أن «الوزارة عملت على مشروع القانون منذ عام 2000، لأن المشكل الفعلي هو في كيفيّة التعويض على المالكين.

قرار داود الجديد قد يشكّل فاتحة لإعادة الطعن به كونه يلغي ما سبقه من قرارات

فالمخطط التوجيهي لمدينة بيروت يمنح المالكين استثمارات مرتفعة من حيث عدد الطبقات المسموح بناؤها، وهو ما يجعل مالكي الأبنية القديمة يفكّرون في هدمها لإنشاء مبانٍ من 10 طبقات مثلاً بهدف مضاعفة الاستثمار. فيما حول العالم يتم الحفاظ على الأبنية التاريخيّة عبر منع البناء حولها إلاّ في حال جرى وفق شروط مشابهة لها من حيث الارتفاع والواجهات». ولفت الى أن «المخطط التوجيهي لبيروت لم يراعِ النسيج العمراني القديم للأبنية الموجودة في الأشرفية وزقاق البلاط والمصيطبة ومونو والصيفي وسواها. كما أن لائحة الجرد للأبنية التاريخية غير مكتملة، ونحن نزيد عليها كل فترة، لكن ضمّ أي مبنى على اللائحة يؤدي إلى نقاش بين المالك وبيننا، عندها نلجأ إلى إصدار مرسوم للمبنى يرتّب علينا تعويضات لا يمكن دفعها. نملك الآلية القانونية للحماية لكن لا آلية لدينا للتعويض على المالكين».
وحيال اعتبار القسم الفني في بلديّة بيروت أن الأبنية تهدّد السلامة العامة، رأى خوري أن «دور البلديات أيضاً الحفاظ على التراث والأبنية التراثية ضمن نطاقها، وذلك يمكن أن يحدث عبر طلبها إلى المالكين ترميم أبنيتهم ورفض طلبات الهدم حتى لو فاتنا كمديريّة تصنيفها. كما يمكنها الشروع بترميمها من تلقاء نفسها ووضع كلفة الترميم كدين ممتاز على العقار. فهذا عمل مشترك، ولا يمكن مطالبة وزارة الثقافة بالقيام بالأمر لوحدها!». وعن المبنى المهدوم في العقار 575، يجيب: «نطمح إلى التعاون مع المحافظ لحماية الأبنية. لكن الشركة المستثمرة أخذت موافقته لهدمه حفاظاً على السلامة العامة، بدل تدعيمه وحمايته حفاظاً عليه وعلى السلامة العامة».