يتزامن الإعلان عن بدء «موسم» الصيد البري، هذا العام، مع «موسم» الحرائق وموسم قطاف التفاح أيضاً.

في موسم التفاح، هناك من زرع واعتنى وتعب وانتظر موعد الحصاد. أما الإعلان عن بداية «موسم» الصيد البري، ففيه كذبة كبيرة ووقاحة أكبر، إذ يُفتتح «موسم» لقتل طيور يفترض أن تكون محمية بالقانون، كونها ملكية عامة. فهذه لم يربّها أحد، وهي تعيش في بيئة طبيعية تمنحها الحياة والمأوى، وتسهم في حفظ توازن الطبيعة، وتلعب دوراً مركزياً في حفظ ديمومة حياة الأحراج والغابات حين تحميها من تزايد الديدان والحشرات التي تفتك بها أكثر من الحرائق.
كان حرياً بوزير البيئة فادي جريصاتي، بدل أن يغرّد موجهاً نداء للمشاركة في الحملة الوطنية لحماية الاحراج من الحرائق غداً، أن يغرّد دفاعاً عن حياة الطيور، عبر وقف مهزلة فتح «موسم» الصيد… وفي هذا، أيضاً، حماية للأحراج التي يؤدي تكاثر الديدان (بسبب قلّة الطيور) إلى يباس أشجارها وموتها.
وليس مفهوماً كيف لا يشعر المسؤولون عن هذا الملف، في الوزارة، بالخجل من تسهيل الحصول على تراخيص الصيد البري عبر إسقاط بعض المستندات (كالسجل العدلي والتقرير الطبي) من المستندات المطلوبة لتجديد رخص الصيد! بحجة أن عدد طالبي التراخيص (أو طالبي تجديدها) يتراجع سنة بعد أخرى، إذ أصدرت الوزارة حتى بداية هذا «الموسم» (2019 - 2020) ثلاثة آلاف رخصة صيد فقط، ولذلك فهي مستمرة في تلقي الطلبات حتى نهاية «الموسم» في 15 شباط 2020! وما لم تفعله الوزارة أنها لم تسأل نفسها عن سبب تراجع أعداد طالبي التراخيص من نحو 16 الفاً عام 2017، تاريخ فتح أول موسم صيد بعد قرارات المنع الكلي التي بدأت مطلع التسعينيات، الى 10270 طلبا عام 2018، الى ثلاثة آلاف فقط هذا العام؟ ألا يعني ذلك أن الصيادين الذين يبلغ عددهم أكثر من 300 ألف (بحسب تقديرات تجار أسلحة الصيد وذخيرتها) وجدوا أن لا قيمة لهذه التراخيص في ظل الفلتان المستمر، أو انهم، ربما، وجدوا أن لا طيور لصيدها؟
كان حرياً بوزارة البيئة أن تأخذ نفساً عميقاً، وأن توقف إعادة فتح «الموسم» لهذا العام (أو أكثر)، إلى حين إعادة درس تجربة فتح «المواسم» في الأعوام الثلاثة الماضية، وأثرها على أعداد الطيور وتلك المعرضة للانقراض والحياة البرية والتنوع البيولوجي في بيئتنا.
موضوع الصيد البري يستحق اهتماماً استثنائياً، شأنه شأن «موسم الحرائق»، إذ إن هذه ليست وحدها ما يهدّد غاباتنا وأحراجنا. لا بل إن «مواسم» الصيد تزيد من نسب الحرائق وتعتبر أحد أسباب تزايدها. تماماً كما يخنق غبار «مواسم» المقالع والكسارات الكثير من هذه الغابات والأحراج، وكما تشوّه «مواسم» تسويات مخالفات البناء عمارتنا، في انتظار «موسم» التنقيب عن النفط والغاز، قريباً، الذي ستفوق أضراره كل «المواسم» الأخرى، بما فيها «موسم» عودة النفايات الى الشوارع. هكذا ننتقل بسرعة فائقة من مواسم الخير التي عرفها جدودنا، الى مواسم اللعنة التي لن تبقي ولن تذر.