«في ضوء المصطلحات المستعملة، التي لم تبلغ حد الإزدراء و/أو السباب بالمدعي، والتي عكست إتزاناً في اختيار هذه المصطلحات. وسعي المدعى عليها لعرض موضوعي، لواقع الحال، من زاويتها، كخبيرة اقتصادية، ذات توجه محدد، من دون ان تبلغ حد اصدار الاحكام، تمنح المحكمة المدّعى عليها الأسباب المخففة». رغم كل هذا الوصف «الجميل»، شكلاً، الذي ساقته محكمة المطبوعات، برئاسة القاضي روكس رزق، الا انها ادانت الزميلة رشا أبو زكي بتهمة «التحقير» وفقاً للمادة 22 من المرسوم الإشتراعي رقم 77/104 المُعدّل، وذلك في حكم صدر أخيراً بتاريخ 20/1/2004.


إن كانت المحكمة تشهد لأبو زكي بكل ما شهدت لها، ثم بعد ذلك تدينها، فماذا يُمكن ان نفهم من هذا الحكم الصادر ضدها؟ ما الصفات التي كان عليها أن تتحلى بها، مهنياً، أكثر من الوصف الذي وصفتها به المحكمة نفسها، حتى لا تدان بجنحة «التحقير»؟ لا شيء يجيب على هذا في متن نص الحكم المذكور. أبو زكي أدينت بسبب مقال نُشر في «الأخبار» حمل عنوان: «فصول من اللغز المالي. قرارات قضائية تثبت مخالفات السنيورة... والتلاعب بالارقام واقع» بتاريخ 27/1/2011.
إليكم نص الحكم المذكور، إنطلاقاً من فقرة «في القانون»، وصولاً إلى قرار المحكمة:
من جهة أولى: حيث ان موضوع هذه الشكوى يتمحور:
ــــ بالنسبة للمدعى عليها، رشا بشير أبو زكي، حول الجنحة المنصوص والمعاقب عليها (في المادة المذكورة).
ــــ وبالنسبة للمدعى عليه، ابراهيم محمد الامين، حول الجنحة المنصوص والمعاقب عليها في المادة 26 من المرسوم الاشتراعي رقم 104/77، المعدل.
وحيث ان «الذم هو نسبة امر الى شخص ولو في معرض الشك أو الاستفهام ينال من شرفه او كرامته».
وحيث ان القدم هو «كل لفظة ازدراء او سباب وكل تعبير او رسم يشفان عن التحقير... اذا لم ينطو على نسبه أمر ما». وحيث ان «الذم يجنح، في ضوء ما ذكر، باتجاه الخصوصيات، بينما القدح يجنح باتجاه العموميات.
وحيث أن «التحقير» هو الذي يوجه الى موظف دون الافراد العاديين، ويتضمن كافة التعابير التي تطلق عليه «قدحاً أو ذماً أو إزدراء».
من جهة ثانية:
ــــ حيث ان لكل شخص «حرية ابداء الرأي قولاً وكتابة... ضمن دائرة القانون». وحيث ان حرية الصحافة «لا تقيّد ... الا في نطاق القوانين العامة وأحكام» قانون المطبوعات. وحيث ان من حق الصحافة تنوير الرأي العام وتوعيته، مع مراعاة الرصانة والدقة والصدق ومع تجنب الاساءة الى الغير. وحيث ان النقد المباح هو النقد الذي يتم بهدف السعي لتحقيق مصلحة عامة دون الذم والقدح والتحقير بالاشخاص، ولو تم احياناً عن طريق استعمال تعابير قاسية ولاذعة. وحيث ان النظام اللبناني قائم على «مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها». وحيث ان هذا المبدأ يطبق في العلاقة بين: السلطة التشريعية والسلطة الاجرائية والسلطة القضائية التي «تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصها ضمن نظام ينص عليه القانون ويحفظ بموجبه للقضاء والمتقاضين الضمانات اللازمة».
وحيث من المتداول، بين العام، ان الصحافة تمثل السلطة الرابعة، وحيث انه لا يجوز لاي سلطة من هذه السلطات، في ضوء ذلك، ان تتخطى، في سياق ممارسة عملها، الاطار المرسوم لها وبالتالي السلطة الاخرى. وحيث انه لا يجوز لـ «السلطة الرابعة»، تحت ستار: «حرية ابداء الرأي قولاً وكتابة» و«تنوير الرأي العام وتوعيته» و«النقد المباح» ان تبلغ حد اصدار الاحكام، بحق اشخاص محددين بالاسم، من دون اي تحفظ. وحيث ان تصرفات كهذه تعتبر من باب تخطي «السلطة الرابعة» للسلطة الثالثة وتستتبع الملاحقة بالاستناد للقوانين المرعية الاجراء، لا سيما قانون المطبوعات الذي يعاقب جملة افعال من بينها: «القدح والذم والتحقير».
وحيث، بموجب المادة 387، من قانون العقوبات «في ما خلا الذم الواقع على رئيسة الدولة، يبرأ الظنين اذا كان موضوع الذم عملاً ذا علاقة بالوظيفة وتثبت صحته».
من جهة ثالثة:
حيث ان موضوع هذه الشكوى، محصور بالمقال موضوع الادعاء، وحيث ان قول المدعى عليها، الصحافية رشا بشير أبو زكي في مقدمة مقالها «ان المستندات القضائية تشير الى ان وزارة المال لم تقم بواجباتها في ما يتعلق بالحسابات المالية منذ اكثر من عشرين عاماً». وأن القضية تتعلق بـ «مال عام صرف من دون تدقيق ولا مراقبة ولا محاسبة»، وبـ «شكوك في موضوع الصرف»، وبـ «تساؤلات عن السبب الذي يدفع عدداً من النواب الى الوقوف سداً مقاوماً ومنيعاً في وجه أي عملية مراقبة او تحقيق في كل ما حصل في السنوات الماضية».
وحيث ان قولها، في متن مقالها، ان «هناك من يريد (بموضوع «قطع حسابات موازنات السنوات الماضية») ان يمحو ما ارتكب».
ــــ وان يقفل «صندوق العجائب بإحكام»، وذلك «لجعل كل العمليات الحسابية المالية خلال العشرين سنة الماضية سراباً».
ــــ وان «المأخذ الاكيد هو تحميل فرق الرئيسين الحريري والسنيورة تبعات الاخطاء الواردة في الحسابات».
ــــ وانه «يمكن الانتهاء بخمس نتائج لعملية تصفير السنيورة للحسابات». وهي: «عدم صحة رصيد الصندوق»، «عدم صحة رصيد الحساب الجاري مع مصرف لبنان»، «عدم صحة رصيد حساب سلفات الخزينة»، «عدم صحة رصيد حساب سلفات الخزينة ذات الطابع الخاص»، «عدم صحة أرصدة الحسابات الاخرى خارج الموازنة».
ــــ وانه «يتبين ان قرارات ديوان الحاسبة القضائية لم ترحم السنيورة، ويبدو انها ستتوالى فصولاً كلما تقدم الديوان في عملية تدقيق الحسابات المالية العائدة للسنوات من 1993 الى اليوم».
وحيث ان تساؤلات كاتبة المقال:
ــــ «ماذا كانت تفعل وزارة المالية خلال السنوات الماضية؟
ــــ «وما هو الهدف من عدم القيام بهذه الواجبات البديهية؟
ــــ وهل من محاولة لاخفاء مخالفات مالية من الممكن ان تدين احداً أو تضعه امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، بحسب ما يلمح البعض؟»، وقولها ان «الوثائق المتاحة حتى الآن تظهر الكثير من المخالفات. تتحدث عن تلاعب بالارقام، عن عدم تطابق في الحسابات، عن مشكلات محاسبية قائمة. وان قصة الاموال العامة، وكيف صرفت خلال السنوات الماضية هي لغز اليوم»، وطرحها سؤالاً في هذا السياق: «الى متى سيبقى اللغز لغزاً؟»، و«هل سيشهد لبنان عملية تدقيق فعلية توصل السائلين الى اجابات عن آلية الانفاق وادارة الشؤون المالية للدولة خلال السنوات الماضية؟».
كل ذلك، على النحو المبين في باب الوقائع «يعكس، في السياق الذي جاء فيه، نوعاً من التحقير، الذي يعكس ذماً بالمدعي، الرئيس الأسبق للحكومة، ووزير المال الاسبق، وذلك، مباشرة او غير مباشرة، عن طريق نسبة امور محددة له، في معرض الشك به بشكل ينال من شرفه ومن كرامته». وحيث ان هذه المحكمة ترى، بما لها من حق التقدير، تمنح كلاً من المدعى عليهما الاسباب المخففة، لذلك: نقرر بالاتفاق، وبعد سماع مطالعة النيابة العامة الاستئنافية. اولاً: ادانة المدعى عليها، رشا أبو زكي، وتغريمها بمبلغ أربعة ملايين ل.ل. بعد استعمال الاسباب المخففة.
ثانياً: ادانة المدعى عليه، ابراهيم محمد الامين، وتغريمه بمبلغ اربعة ملايين ل.ل. بعد استعمال الاسباب المخففة».
(الاخبار)


نسخة عن الحكم الصادر من محكمة المطبوعات في قضية فؤاد السنيورة ضد رشا ابو زكي و"الاخبار"