*

كما في كل عام، مرّ الخامس والعشرون من أيلول الماضي، «اليوم العالمي للصيادلة»، مرور السّحاب الخفيف بين أكثر من عشرة آلاف وخمسمائة صيدلي في لبنان، من دون أيّ معايدة حتى من وزارة الصّحة التي مهرت إذونات مزاولتهم للمهنة!
في اليوم الذي حدّده إتحاد الصيادلة الدولي FIP، للإحتفاء بدور الصّيدلي وأهميته في المنظومة الصّحيّة والخدمات التي يقدّمها للمواطن، اكتفى صيادلة لبنان بالإحتفال على صفحات التّواصل الإجتماعي. فلم نشهد حملات إعلانية توعويّة ولا ملصقات تتحدثُ عن دور الصّيدلي، خلافاً لدول كثيرة تكرّس أسابيع تثقيفية توطّدُ جسور الثّقة بين الصّيدليّ والمواطن، وتشرحُ عن الخدمات الرّعائيّة المتوجب توافرها في الصّيدليات وأهميّتها، وتُرسخُ وعياً بمختلف أدوار المهن الطّبيّة من دون التباس، كما في كندا مثلاً، التي خصصت شهر آذار من كلّ عام، شهراً للتوعية الصيدلية يعرف بـ “PAM” Pharmacists Awareness Month.
تعدّدت التّسميات التي يطلقها الناس على ذلك الكائن المستوطن بين عُلب الأدوية: الفرمشاني، بائعُ الدّواء، الدكتور، معلّم الدّواء، النّصف طبيب... لكن رغم تعدّد تسمياتهم وأدوارهم، من: صيادلة المستشفيات إلى الصّيادلة الصناعيين في معامل الأدوية وصيادلة المختبرات والصيادلة السّريريين وغيرهم، يبقى «صيادلة المجتمع»، المعروفون بالـ“Community Pharmacists” الموجودون في الصّيدليات، الأكثر شهرة واحتكاكاً بالمواطن.
«صيدليّ المجتمع» يشبه مختارُ الحيّ إلى حدّ كبير. يقبعُ في صيدليّته، التي حدّدت الدولة أنّها يجب أن تبعد عن أي صيدليّة أخرى مسافة ثلاثمئة متر، شاهداً على نمو الأحياء وازدهار الشوارع والضّواحي. يستقبلُ جيرانه عرساناً جدداً يجهّزون صيدليتهم المنزليّة، يرافقهم في مسيرة الحمل والولادة وما بعدها، ويشاهد أطفالهم يكبرون أمام عينيه.
بالنسبة إلى العديد من الصيادلة، هناك كثير من الإلتباس لدى المواطن حول فهم بعض المهن الطبّية وأدوارها، ومن بينها دوره هو. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً في بلادنا هي أن يلجأ كثيرون إلى الصّيدلي على أنّه «طبيب»، علماً أنه «خبير دواء» كما يعرّف عن نفسه. مهمّة الطبيب تبدأ بالتشخيص المناسب للمرض ووصف العلاج، بينما مهمة الصّيدلي لا تقتصر على إعطاء الدّواء وحسب، بل تتعدّاها إلى التأكد من ملاءمة العلاج للمرض والمريض. كما يمكن للمريض أن يحصل على المشورة الطبيّة من الصيدليّ أو أصحاب الإختصاص عوضاً عن استشارة محرّك البحث «غوغل». قد يساعدك الصّيدلي بالنّصح والإرشاد وتحويلك للطبيب المختص عند الحاجة، كما يواصل مساعدتك بعد زيارة الطّبيب على استيعاب المرض وكيفيّة التعامل معه، وفهم العلاج وطرق تناول الدّواء وحفظه.
مفتاح العلاقة بين الصّيدلي والمريض هي الجيرة القائمة بينهما والتي تنمي الثّقة، ليصبح الجار الصّيدلي الأكثر دراية بتاريخك المرضيّ ووضعك الإجتماعي والإقتصادي.
من هنا، سمح القانون اللبناني للصيدلي، عبر الوصفة الطّبية الموحدة باستبدال الدّواء الباهظ الثّمن، المرهق لكاهل المواطن بدواء «جنيسي» أقل ثمنا، لديه المادة الفعّالة نفسها لكن بأسماء تجارية مختلفة بعد موافقة المريض. أمّا إذا ما زيّن الطبيب وصفته بعبارة “NS”، أي ممنوع التبديل، فيمنع الصّيدلي من القيام بدوره الأساسي في خفض قيمة الفاتورة الإستشفائيّة. ولا يُسمح للصّيدلي بوصف الأدوية المزمنة أو صرفها من دون وصفة طبيّة، كما لا يُسمح له بحقن الأدوية أو الأمصال والقيام بالأعمال الطّبيّة المختلفة. وهذا أمرٌ يجهله الكثير من المرضى، أو ربما يتغافلون عنه بغية توفير فحصية طبيب أو خشية دفع فواتير المستشفيات الباهظة، فيهرعون إلى الصيدليّة طالبين خياطة الجرح وتعليق الأمصال وفحوصات أخرى ليست من صلاحيات الصّيدلي ولا من ركائز عمله.
لضمان عدم المتاجرة بصحة المواطن، فرضت وزارة الصّحة على الصّيدلي الالتزام بتسعيرة وزارة الصّحة العامة للدواء، من دون زيادة أو نقصان، وخصصت مراكز الرعاية الصّحية لتوزيع الدّواء المجاني على المرضى المحتاجين، عكس ما تقوم به بعض المستوصفات بالبيع والمتاجرة بالدّواء خلافا للقانون بغية الرّبح تحت غطاء الخير والعطاء.
المهام الطّبية مختلفة ومتعددة تتوزع بين الطّبيب والصّيدلي والممرّض، لكن يتميّز الصيّدلي قانونا بحصريّة بيع الدّواء واللّقاحات والهرمونات التي يجب عدم تواجدها في العيادات الطبيّة، مع منع حقن اللقاحات داخل الصّيدلية، هنا في لبنان، بالرغم من تخصيص الصّيدليات لإعطاء اللقاحات للمواطنين في أغلب الدّول الأوروبيّة.
الحديث عن المنظومة الصّحية في بلادنا لا ينتهي، كما عن حقوق وواجبات المهن التي يطالها الإجحاف عامة، لكن من الغريب أن تعلم أن حال الصّيدلي في بلادنا كحال «الإسكافي الحافي»، إذ أنه يبيع الدّواء ويبتاعه لنفسه وأهله وذويه. فهو كصاحب أيّ مؤسسة تجاريّة، ممنوع من الإستفادة من مؤسسة الضمان الإجتماعي كما لا تغطي له أي شركة تأمين تكاليف دوائه!

* صيدلانية