لم يَزد التحذير الأخير لمنظمة الصحة العالمية الأسواق المالية إلّا كآبةً. وتُرجِم احتمال إعلان «كورونا» وباءً عالمياً، ذعراً في البورصات العالمية، بعدما لجأ المستثمرون إلى تجنُّب المخاطِر التي تنطوي عليها الأسهم والاستثمارات، وهو أمرٌ عزّزته «هجرة» فيروس «كوفيد-19» إلى مزيد مِن الدول، توازياً مع ارتفاع مفاجئ لأعداد الإصابات والوفيات في إيران وكوريا الجنوبية وإيطاليا.

ومثَّل، أول مِن أمس الاثنين، كارثةً للبورصات العالمية، مع تسجيل بورصة «وول ستريت» تراجعاً قوياً، على خلفية مخاوف المستثمرين مِن التداعيات المحتملة لـ «كورونا». تراجعٌ أُغلقت جلسة التداولات على إثره، بهبوطٍ حادّ لم يَعرف مؤشّر «داو جونز» مثيلاً له منذ عامين، بعدما بلغت خسائره 3,6%. وسجّل مؤشّر «ناسداك» تراجعاً بنسبة 3,71%، في حين بلغت خسائر «ستاندرد أند بورز 500» الأوسع نطاقاً 3,35%. وخسرت بورصة طوكيو أمس 3,3%.
وفيما اعتبرت منظمة الصحة العالمية أن وضع الصين في طور التحسّن، رأت الارتفاع المفاجئ للإصابات في إيطاليا وكوريا الجنوبية وإيران «مقلق جداً»، ما انعكس على السوق العالمية، وهو «ردّ فعل طبيعي»، بحسب الخبير في مؤسسة «برودنشل فاينانشل»، كوينسي كروسبي، الذي لفت إلى أن «اهتمام السوق ينصبّ على أمرين، هما: مدّة الوباء واتجاهه. ما أثار اهتمام السوق منذ نهاية الأسبوع الماضي هو أنّ الفيروس يهاجر».
بدورها، لا تزال سوق النفط تعاني جرّاء الهبوط الحادّ في الأسعار منذ بداية العام الجاري؛ واستقرت الأسعار، أمس، مع سعي المستثمرين إلى شراء الخام بأسعار أقلّ بعدما هوى بنحو 4% في الجلسة السابقة، إلا أن المخاوف من أن يؤثّر انتشار «كوفيد-19» خارج الصين على الاقتصادات الكبرى، ويكبح الطلب على الوقود، حدَّت من المكاسب. في الأثناء، تُظهر السعودية مكابرةً رغم أن انخفاض الأسعار وتعطل صادرات الخام يؤثّران بشكل كبير على الأرصدة المالية للدول الشديدة الاعتماد على الدخل النفطي. وبدا وزير الطاقة السعودي، عبد العزيز بن سلمان، واثقاً لجهة «الاستجابة المسؤولة» لانتشار الفيروس مِن قِبَل مجموعة «أوبك+»، مؤكداً أن الرياض وموسكو ستواصلان المحادثات في شأن سياسة النفط، وذلك بعدما أوصت اللجنة الفنية لـ«أوبك+»، خلال اجتماع استثنائي في فيينا، في وقت سابق من الشهر الجاري، بخفض الإنتاج بمقدار 600 ألف برميل إضافي يومياً لوقف تراجع الأسعار وسط انتشار الوباء. من جهته، توقّع الرئيس التنفيذي لعملاق النفط السعودي، «أرامكو»، أمين الناصر، تأثيراً «قصير الأمد» على طلب النفط، معرباً عن ثقته من أن النصف الثاني من العام سيشهد عودة الأمور إلى طبيعتها. وعلى المنوال ذاته، جاء ردّ فعل الرئيس التنفيذي لشركة بترول أبو ظبي الوطنية، «أدنوك»، سلطان الجابر، إذ رأى أن التأثير «موقّت». وخلافاً للطابع الموقّت الذي تحدّثت عنه الرياض وأبو ظبي، جاءت توقعات «وكالة الطاقة الدولية» متشائمة؛ إذ توقّعت أن ينخفض نمو الطلب العالمي إلى أدنى مستوياته في عشر سنوات. وتوقّعت الوكالة أن ينكمش الطلب بمقدار 435 ألف برميل يومياً في الربع الأول، وهو أول انخفاض فصلي منذ الأزمة المالية. أما بالنسبة إلى عام 2020 ككل، فقد خفضت «الطاقة الدولية» توقعاتها لنمو الطلب العالمي بمقدار 365 ألف برميل يومياً، إلى 825 ألف برميل يومياً.
في غضون ذلك، استمر ضعف الدولار، أمس، وسط توقعات بأن يخفض «مجلس الاحتياطي الفدرالي» أسعار الفائدة هذا العام، سعياً إلى التخفيف مِن حدّة الضغط على الاقتصاد العالمي. وفي بداية انتشار الفيروس، ارتفع الدولار نظراً إلى أن المستثمرين يعتبرون أن جميع الأصول بالعملة الأميركية استثمارات آمنة. غير أن مديري الصناديق يعتقدون الآن بأن «الاحتياطي» سيعكف على الأرجح على تيسير السياسة النقدية ويخفض أسعار الفائدة، نظراً إلى استفادته من أكبر فرصة لتبنّي هذه الخطوة.