الفشل والإخفاق السعوديان لا يقتصران على جبهات القتال في الشمال اليمني. تعاني إدارة المملكة من تعثّر واضح في المحافظات المحتلّة، لا سيما الجنوبية منها، في القطاعات كافة. المعاناة الحقيقية التي تواجه سياستها في تلك المحافظات متأتية من العداوة المستحكمة بين الأصدقاء (وكلاؤها ووكلاء دولة الإمارات)، وهي عداوة مركّبة من التباين في الولاء لكل من الرياض وأبو ظبي، وهذا ينتظر الحسم النهائي للدور الإماراتي في الحرب، وآخر محلي، مناطقي وحزبي.

في كلا الحالتين، تقف الرياض عاجزة عن لعب دور الوسيط بين الوكيلين (فريق «الشرعية» و«الانتقالي الجنوبي»)، في حال بقيت الإمارات في التحالف، أو في حال إمساك السعودية بشكل منفرد بملف المحافظات المحتلة إن انسحبت أبو ظبي من الحرب (وهي مهمّة يبدو أنها عاجزة عن أدائها). وهذا ما فسّره مراقبون على أنه مهادنة سعودية لسلطنة عمان في محافظة المهرة، مع إيعازها للرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي بتعيين محافظ مقرّب من مسقط (محمد علي ياسر، بدل المقرّب من السعودية راجح باكريت).
تعاني المملكة من ضعف مكشوف من جرّاء فشلها في المواءمة بين رعايتها تسيير شؤون المؤسسات الرسمية وغيرها من البرامج التنموية الخاصة بها (بحكم كونها قوات احتلال) وإدارة توزيع الهبات والمساعدات من الجهات الدولية، وبين المطالبات السيادية والسياسية المتنامية، خصوصاً في المحافظات الجنوبية حيث التعاطي مع نزعة الانفصال (يبدو أن دولة الإمارات، أثناء إداراتها لعدن، كانت أكثر مرونة ومراعاة لأصحاب هذه النزعة).
تعتمد السياسة السعودية في المحافظات المحتلّة على تأمين الحد الأدنى فقط من المتطلّبات الحياتية والمعيشية والبنى التحتية. وعلى هذا الأساس تستمرّ معاناة الجنوبيين من التكرار المتعمّد للأزمات: الكهرباء، والمشتقات النفطية، والمياه، والصرف الصحي، والتعليم، والصحة، والتأخير المتعمّد أيضاً في رواتب الموظفين، المدنيين والعسكريين (لا يمرّ شهر تقريباً من دون افتعال أزمة). تتدخل المملكة عبر الجهات الرسمية؛ سفيرها محمد آل جابر، وقائد التحالف في عدن العميد مجاهد العتيبي، في نهاية المطاف وبعد استفحال الأزمة، وبعيداً من مؤسّسات الدولة اليمنية، فتستخدم «برنامج إعادة الإعمار والتنمية في اليمن» أو «مركز الملك سلمان للإغاثة» لحل هذه الأزمة المفتعلة أو تلك. وأحياناً تتدخّل عبر الدفع بالمؤسسات الرسمية إلى القيام بواجبها من خلال إزالة العوائق والعقبات من أمامها. ويأتي التدخّل السعودي عادة بعد إطلاق المناشدات المكرّرة من جوقة الإعلاميين والناشطين المرتبطين مالياً بـ«اللجنة الخاصة» المكلّفة بالملف اليمني، وهي مناشدات ممجوجة غايتها كيل الثناء والمديح للسلطات السعودية قبل التدخل وأثناء المعالجة وبعدها. على أن الحلول كافة التي تقدّم للقضايا الاقتصادية والحياتية ليست حلولاً مستدامة، بل هي حلول مؤقتة، وقابلة للتجدد في أي وقت، وفق مقتضيات الاحتلال السعودي، في إشعار للناس بالحاجة إليه كمنقذ وحيد في التنمية وتسيير عجلة الحياة.

حكومة هادي مشلولة وعاجزة عن فعل أي شيء أمام تفاقم الأزمات. وهي شبه غائبة عن المشهد، ومعظم وزرائها يزاولون أعمالهم من فنادق الرياض. تشتكي السلطات السعودية دائماً من فساد مسؤولي حكومة ما يسمى «الشرعية». الشكوى السعودية تبرير مقصود للتهرّب من المسؤولية في تحمّل تبعات الفساد، وإلقاء اللوم على الوكلاء اليمنيين. وغالباً ما تكون الشكوى من فساد وزارء ومسؤولي «الشرعية» صحيحة. يتهم هؤلاء بالإثراء غير المشروع، وتتوزّع التهم بين أرصدة كبيرة في البنوك، وشراء شقق وقصور في كل من أبو ظبي والرياض والقاهرة وأنقرة.
صنّفت لجنة الخبراء المعنية بمراقبة العقوبات على اليمن الفساد الحكومي على النحو الآتي:
- تمرير سياسة حكومية مصمّمة على مساعدة الأوساط التجارية النافذة المرتبطة بالحكومة.
- عمليات سرقة ضخمة وتهريب النفط من حقول مأرب (وهذه من حصة حزب «الإصلاح» - الإخوان المسلمون في اليمن).
- تطبيق آلية استيراد منحت الأفضلية لـ«دائرة» أعمال صغيرة قريبة من كبار المسؤولين وأسهمت في الانتهاكات الانسانية.
- الفساد الكبير في القوات المسلحة في ما يتعلّق بالإمدادات الغذائية.

السعودية ليست بعيدة عن التعيينات والمناقلات الحكومية في اليمن (سابقاً وحاضراً). الوزراء والمديرون والمحافظون، وحتى أدنى مسمّى وظيفي، لا يتم تعيينه إلا بموافقة «اللجنة السعودية الخاصة» بالملف اليمني، وبالتحديد السفير محمد آل جابر. وفي الغالب ترفع الأسماء للوظائف الكبيرة أو المتوسطة، وأحياناً الصغيرة منها، من قبل اللجنة المذكورة للشخصيات الأكثر قرباً من المملكة، وعادة ما ترفع التعيينات الحكومية كجوائز ترضية (للولاء المطلق لها) وبعد اختبار يدوم سنوات وفي محطات متعددة.

حالات الاعتراض تتّسع لتصبح ظاهرة عصيّة على المعالجة


يصدر الإعلام اليمني، من حين إلى آخر، وثائق (لوائح أو كشوفات) للمواقع والمناصب العليا في الوزارات، تكشف عن تغلغل المحسوبيات والمحاصصة، وهي محصورة في: أبناء، وزوجات، وبنات، وأصهار، وأقرباء، وقبيلة، ومنطقة الوزير، وجل هؤلاء غير أكفاء ولا يحملون شهادات علمية. ورغم ذلك يتقاضون رواتب مرتفعة جداً، بالعملة الصعبة، ومن دون الحضور إلى مراكز العمل، ومعظمهم خارج اليمن. في الغالب تصدر الوثائق على شكل لوائح وكشوفات مسرّبة من دوائر حكومية أخرى، أو شخصيات محسوبة على التحالف تكون متضرّرة أو موظفين حكوميين وغيره.
اللافت أن معظم الصف الحكومي، الأول والثاني، من أشرس المعارضين لإنهاء الحرب على بلادهم، وتأتي معارضتهم خشية انتهاء دورهم في أي تسوية سياسية. «تجار الحروب» هؤلاء عادة ما يُستخدمون من قبل «اللجنة الخاصة» بدفعهم على إصدار مواقف معارضة للتسويات أو المسارات السياسية، في حال لم تتوافق مع السياسات السعودية. ليس أمام هادي خيار سوى التوقيع على مراسيم التعيين، على أن حصة الأخير تكون مؤمنة في الغالب في حزمة التعيينات التي يقول معارضوه إنه لا يجيد غيرها. وزارة الخارجية في حكومة هادي أقرب، كما توصف، لكونها أحد أفرع وزارة الخارجية السعودية، وتصوّت في جميع المحافل العربية والدولية بناءً على التوجه السعودي، وتنتهج بالكامل السياسية الخارجية السعودية في المواقف والبيانات الصادرة عنها، مع فارق وحيد هو التشدد في اللهجة تجاه أعداء المملكة، أكثر من الخارجية السعودية، وبخروج فج عن اللياقات والأعراف الدبلوماسية، في إطار المزايدة لكسب ودّ المسؤولين السعوديين ورضاهم.
رغم كل ما تقدّم، وفي إشارة إلى نتائج السياسات السعودية المذكورة، وكمؤشر على إخفاقها، صدرت في الفترة الأخيرة أصوات ومواقف من شخصيات كانت حتى الأمس القريب محسوبة على المملكة بالكامل، تعترض على أدائها الإداري والسياسي والعسكري، وتتهمها بالعمل لمصلحتها الخاصة فقط من دون أن تعير أي اهتمام لمصالح اليمن أو حتى حلفائها من اليمنيين. واللافت أن حالات الاعتراض هذه تتسع لتصبح ظاهرة عصيّة على المعالجة، خصوصاً مع ظهور علامات ضعف وإعياء سعوديين واضحة على أكثر من صعيد.