مثل كل الدول، فإن تركيا غارقة الآن في همّ واحد وحيد هو وباء كورونا. وعلى الرغم من أن تركيا كانت من الدول القليلة في العالم التي وصل إليها الوباء متأخراً ولم تعلن عن وقوع أول حالة إلا قبل أسبوع تقريباً، ولم تعلن حتى الآن سوى عن أربع وفيات، فإن كل شيء مسخّر الآن لمواجهة الوباء، وخصوصاً أن تركيا تقع على تقاطع مواصلات برّية وجوّية وبحرية دولية، أغلقت غالبيتها لاحقاً، ولا يمكن أن تبقى طويلاً بمنأى عن التأثر بهذا الفيروس. ومع وصول الفيروس إلى تركيا، فإن السلطات قد عملت على اتخاذ إجراءات كثيرة، من أهمّها وضع كل العائدين من العمرة في الحجر الصحّي في مدن سكن الطلبة الجامعيين في أنقرة وغيرها.

كذلك أعلن رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان، رزمة مساعدات اجتماعية بقيمة 100 مليار ليرة تركية (حوالى 15 مليار دولار) تحت اسم «درع الاستقرار الاقتصادي» تُخفّف عن كاهل العاطلين عن العمل والذين تعطّلت أعمالهم بسبب الدعوة لعدم الخروج من البيت. لكن الرزمة لم تحظ بقبول العمّال الذين وجدوها مقصّرة جدّاً وتحمي أصحاب العمل أكثر من العمّال. ورغم المخاطر، فإن الحكومة لم تفرض بعد حظر التجوّل الكامل، بل إن الأسواق الشعبية لا تزال قائمة وتشهد زحمة زوار رغم أن إردوغان دعا المواطنين للبقاء في منازلهم.
ورغم أنه لم يصدر بعد قرار بعفو جزئي يسمح بإطلاق سراح 100 ألف معتقل (أي ما يعادل ثلث المساجين)، ما يخفف من مخاطر انتشار كورونا في السجون، فإن النقاشات متواصلة لدرس التفاصيل والأرقام وإصدار تشريع بذلك في البرلمان.
أما النائب عن حزب «العدالة والتنمية» أحمد حمدي تشاملي، فقد دعا إلى الاستفادة من الحجر القسري في المنزل لزيادة الإنجاب. وقال إن «رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان كان قد دعا سابقاً إلى إنجاب ثلاثة أولاد على الأقل في الأسرة الواحدة. ومع أن كورونا شر فإنه يمكن أن يتحول إلى نعمة ووسيلة للخير».
لم تكن الشفافية التركية بالقدر الكافي، إذ أنه في وقت كان وزير الصحة فخر الدين قوجا، يعلن أن عدد الوفيات بسبب كورونا بلغ حتى الأربعاء الماضي اثنين، كان الفيروس يخطف مسؤولاً عسكرياً كبيراً نهار الإثنين، هو طاهر آيتاتش يالمان، قائد القوات البرية السابق.
كان وزير الصحّة قال الثلاثاء إن عدد الوفيات كان اثنين، واحد في الـ 89 من العمر والثاني في الـ 61 من العمر، فيما آيتاتش له من العمر 80 عاماً. وقد علّقت مغرّدة قائلة: «نحن نحب إخفاء المعلومات وإنها لصدمة ألا يكونوا قد قطعوا الإنترنت بعد»، ليرد آخر :»إنهم لو قطعوا الإنترنت فلن يبقى أحد في المنازل». وما لبث وزير الصحّة أن صحّح الخميس الرقم ليعلن أنه أصبح أربع وفيات من بينهم الجنرال يالمان.

خطف الفيروس طاهر آيتاتش يالمان، قائد القوات البرية السابق


وكان يالمان بحالة صحّية جيّدة ويمارس الرياضة في قاعة النادي العسكري بمحلة فنار باهتشه في إسطنبول عندما شعر فجأة بضيق في التنفس فنقل بسرعة إلى مستشفى خاص، حيث أجري الكشف عليه فقالوا إنهم لا يستطيعون فعل شي فنقل إلى المستشفى العسكري في إسطنبول وتم التثبّت من أنه مصاب بفيروس. وإذ تحسّن بعض الشيء، طلب أن يعود إلى البيت لكن بعد ساعات قليلة توفي وثبت في تقرير لجنة الأطباء أنه كان مصاباً بكورونا.
وفي اليوم التالي نقل جثمانه على وجه السرعة من المستشفى إلى المقبرة حيث ووري في الثرى من دون أي مراسم عسكرية، رغم أن قيادة القوات البرّية قد نعته في اليوم نفسه لوفاته. فيما نقلت زوجته وشقيقته إلى المستشفى لإصابتهما بكورونا أيضاً. كما بدأت إجراءات عزل النادي الذي كان يمارس الرياضة فيه.
كان أيتاتش يالمان واحداً من الضباط الذين لعبوا أدواراً مهمّة في مرحلة التوتر مع سوريا عام 1998 والتوصّل إلى اتفاق أضنه وفي مرحلة ما بعد التوقيع.
ولد يالمان في عام 1940 ودخل المدرسة الحربية في عام 1960 وتولى بين عامي 1995 و1998 قيادة اللواء السادس المتمركز في أضنه. وكان له دور مؤثر في قرارات 28 شباط 1997 التي اتخذها مجلس الأمن القومي ضد حكومة نجم الدين أربكان وفي الحملة ضد الإسلاميين، وربما من هذه الزاوية لم يرثه أو يشر إليه أحد من المسؤولين الحكوميين الحاليين. وفي عام 1998، أصبح قائداً للجيش الثاني وبعد توقيع اتفاقية أضنه في 20 تشرين الأول 1998 تولى يالمان مسؤولية إدارة العلاقات الأمنية التركية مع سوريا وفي 24 آب من عام 2000 عيّن قائداً عاماً للدرك، وفي 24 آب من عام 2002 أصبح قائداً للقوات البرية وتقاعد في 29 آب 2004.
فيما الجميع مشغول بكورونا، وهذا طبيعي، كانت إدلب تشهد تطوراً نوعياً هو مقتل ثلاثة جنود أتراك (الثالث يقال إنه توفي بسكتة قلبية) على يد مسلحين متطرفين في إدلب لم توضح وزارة الدفاع هويتهم التنظيمية. وواضح أن الحادثة التي جاءت في غير وقتها بالنسبة إلى تركيا لا يراد لها أن تتفاقم في ظل الأوضاع الراهنة بالنسبة إلى كورونا. وعلى الرغم من هذا الصدام بين الجيش التركي وهؤلاء المسلحين، فلا تبدو الأمور في المدى القريب إلى تفاقم على الجبهة. كما ليس واضحاً ما إذا كانت طريق «M4» ستُفتح وما إذا كانت الدوريات التركية - الروسية ستُستأنف.