بينما كانت جمهورية الصين الشعبية تحشد كل ما توصلت إليه من تكنولوجيا وذكاء اصطناعي لكبح الفيروس، وصف الغرب جهودها تلك بـ«الانتهازية». وقال إنها، بحجة كبح الانتشار، تريد تعزيز دور الدولة البوليسية الرقمية، عبر تكنولوجيا المراقبة الاجتماعية، المدمجة بذكاء اصطناعي يتغذى على البيانات الكبرى. علماً أن هذا الإنجاز الصيني، لم يعط للدولة الصينية كل أدوات كبح الفيروس فقط، بل تمثّلت قوته المطلقة في قدرة الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بأماكن الانتشار الجديدة المحتملة، ما جعل الفيروس متأخراً دائماً بخطوة أمام الجهود الصينية.

يوم أمس، بدأت محادثات بين الحكومة الأميركية وشركتي «غوغل» و«فايسبوك» لبحث إمكانية استحصالها على «موقع» و«حركة» كل مستخدمي الهواتف الذكية في الولايات كافة، تحت حجة مواجهة انتشار الفيروس. ولسخرية القدر، يقول المسؤولون الأميركيون إن «البيانات الكبرى» التي سيتم جمعها عبر تلك العملية، ستساهم في التنبؤ ببؤر الانتشار الجديدة المحتملة ما سيساهم في كبح الفيروس.
مع تصاعد أزمة فيروس كورونا، تحرّكت شركة «فايسبوك» على جبهات مختلفة: الترويج للمعلومات المقدمة من مصادر مختصة (أميركية) ومكافحة انتشار المحتويات الكاذبة والمضلّلة ودعم الخدمات الصحية مادياً وتكنولوجياً بشكل خاص. على أرض الواقع، يُراد من «فايسبوك» الترويج للرواية الأميركية بشأن «منشأ» فيروس "سارس-كوف-2»، والتي يعززها تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في كل مناسبة، عبارة «الفيروس الصيني». أما ما تريده شركة «فايسبوك» فهو تلميع صورتها بعد كل فضائح تسريب بيانات المستخدمين في السنتين الأخيرتين. تقول كارولينا ميلانيزي، وهي محلّلة في كرييتف ستراتيجيز: «إذا كان مدراء فايسبوك أذكياء، فسيستخدمون هذه الفرصة لتلميع صورة علامتهم التجارية». في إشارة إلى فضائح التلاعب بالبيانات الشخصية التي شوّهت سمعة الموقع الاجتماعي.
مصدر مطّلع على المحادثات قال، لمحطة «سي أن بي سي» الأميركية، إن الجهود المبذولة للاستحصال على بيانات مواقع المستخدمين، تتم من قبل فريق عمل مكوّن من 60 شركة تقنية تعمل مع مكتب البيت الأبيض لعلوم التكنولوجيا ومكتب الابتكار الأميركي. من بين هذه الشركات Facebook وGoogle وTwitter وUber وApple وIBM...، بالإضافة إلى رواد في الصحة العامة من جامعة هارفرد ومؤسسات أخرى. مهمة فريق العمل بسيطة: استخدام الخبرة المتخصصة لمجتمع التكنولوجيا لتقديم توصيات إلى البيت الأبيض ومسؤولي الصحة العامة الآخرين الذين يساعدون في تقليل تأثير هذا المرض.
المشكلة هنا، أن هذه العملية يمكن أن تتوسع لتشمل كل بيانات مستخدمي تلك التطبيقات حول العالم وليس فقط سكان الولايات المتحدة الأميركية، ولنا في ما كشفه ادوارد سنودن خير دليل على ذلك. إذ، وبحجة هجمات الحادي عشر من أيلول، قامت أجهزة الاستخبارات الأميركية بالالتفاف على قوانين مشابهة أقرت يومها لرصد حركة المجموعات الإرهابية حول العالم، ليتبين بعدها أن تلك الأجهزة تنصّتت وراقبت الجميع. حتى الهاتف الشخصي للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لم يسلم من ذلك.
في الحالة الراهنة، الأمر مشابه. تقول ميشيل ريتشاردسون، مديرة مشروع الخصوصية والبيانات في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا: «لا يمكن القول إن هذا الفعل سيكون من دون مخاطر على خصوصية المستخدم». وتضيف: «إن الاستحصال على المعلومات الشخصية للمستخدم مع بيانات موقعه الجغرافي ومع معلوماته الصحية، أمرٌ خطير، ويمكن أن يُستخدم بطرق عديدة لاستغلال الناس أو الإضرار بهم». وتتابع ريتشاردسون: «صحيح أن البيت الأبيض يقول إنه سيجمع تلك المعلومات بشكل مبهم (أي أن الدولة ستجمع البيانات لكن من دون معرفة اسم الشخص)، ولكن من يملك تلك المعلومات والبيانات من السهل عليه تحديد إلى من تعود».