ليس بعيداً عن الحدود الإدارية للعاصمة دمشق، يضطر كثير من الأسر النازحة إلى الإقامة في شقق سكنية بلا إكساء، تفتقد أدنى مقومات السكن الملائم. هنا، يغيب مشهد المياه وهي تتدفق عبر شبكة المياه الرئيسية لتحلّ مكانها خزانات بلاستيكية متفاوتة الحجم، توضع داخل إحدى الغرف وتُملأ بصهاريج خاصة، لا ضمانة لمصدر مياهها. وهذا ما يجعل المشكلة التي تواجهها تلك الأسر اليوم تبدو مضاعفة. فلا أفرادها، وتحديداً الأطفال، قادرون على غسل أيديهم بانتظام، وفق ما تتطلّبه إجراءات مواجهة فيروس «كورونا»، ولا المياه المستخدمة مأمونة دائماً، سواء لجهة نظافة الصهاريج أو مصدر المياه.

لكن مشكلة الحصول على المياه لا تقتصر فقط على هذه العيّنة من الأُسر. فنتائج مسح الأمن الغذائي، عام 2015، أشارت بوضوح إلى أن 76% من الأُسر النازحة تعاني خللاً في فرص الحصول على مياه الشرب العامة بسبب السكن ونوعيته، كما أنّ نصف الأسر التي تفتقر إلى المياه العامة تحصل على المياه (غير العامة) سيراً على الأقدام لمدة 15 دقيقة. وفي حالات معينة، قد يكون الوصول إلى مصدر المياه ميسّراً، لكن الحصول عليها من بعض هذه المصادر يتطلّب الانتظار وقتاً طويلاً، يصل إلى ساعات عدة، إضافة إلى التكاليف المادية التي تمثّل عبئاً جديداً على كاهل تلك الأُسر.
وإذا كانت هذه البيانات تعود إلى عام 2015، فإن ما شهدته السنوات الأربع الماضية من دخول مؤسسات الدولة الخدمية إلى مناطق عدّة، وعودة كثير من النازحين إلى مدنهم وقراهم، لا يعني انتهاء معاناة أُسر عدة في الحصول على المياه الصالحة للشرب، نتيجة التباين الحاصل بين المحافظات، وبين الريف والمدينة، حيال التزود بالمياه من الشبكة العامة. وتالياً، ليس بإمكان جميع السوريين استخدام مواد التعقيم القادرة على الوقاية من انتقال العدوى بفيروس «كورونا» فقط، وإنّما بعضهم قد لا يتاح لهم غسل أيديهم مرات عدة في اليوم، والمحافظة على أعلى درجات النظافة في محيطهم.

لو كان الفقر رجلاً!
تمثل الأوضاع الاقتصادية للسوريين نقطة ضعف رئيسية أخرى في جدار الإجراءات الوقائية. إذ تعاني غالبية الأُسر، وبنسب متباينة، من صعوبة تأمين احتياجاتها من المواد والسلع الغذائية الضرورية، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعارها وتراجع مصادر الدخل. وبحسب تقديرات مسح الأمن الغذائي، الذي أجراه المكتب المركزي للإحصاء وبرنامج الغذاء العالمي عام 2017، فإن 31% من السوريين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في حين صُنّف نصف السكان تقريباً، أي ما نسبته 45.6%، ضمن الطبقة الهشّة المعرّض أفرادها لانعدام أمنهم الغذائي. وكان 23.4% فقط من السكان آمنين غذائياً. إلّا أن برنامج الغذاء العالمي أعاد تحديث بياناته في أيلول الماضي، مؤكداً أن نحو 6.5 ملايين سوري غير آمنين غذائياً، لأسباب عدة؛ أبرزها ارتفاع أسعار السلع الغذائية التي شهدت بفعل انخفاض سعر الصرف ارتفاعاً جديداً بين أيلول وكانون الثاني الماضيين بلغت نسبته نحو 60%، وفقاً لدراسة أجراها الباحثان زكي محشي وريم تركماني، ما يعني أن عدد السوريين غير الآمنين غذائياً مستمرّ بالارتفاع وبشكل حاد. وتضيف الدراسة التي اطّلعت «الأخبار» على أبرز نتائجها، أنه منذ نهاية عام 2017 حتى كانون الثاني 2020، ارتفع متوسط أسعار السلع 215%، وتالياً يمكن الاستنتاج أن عدداً أكبر من السوريين دخل دائرة الفقر. أما من كان في هذه الدائرة، فإن الارتفاع الحاد للأسعار عمّق فقره.

76% من الأُسر النازحة تعاني خللاً في فرص الحصول على مياه الشرب


ويمكن الاستدلال أكثر على حجم الخطر الذي تمثّله الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في هذه الفترة، ممّا خلص إليه أيضاً مسح الأمن الغذائي لعام 2015 من نتائج على صعيد مؤشر الحرمان من الغذاء، «حيث بلغت نسبة الأسر غير الآمنة غذائياً والتي تكررت واقعة عدم وجود أي نوع من الطعام لديها 56% من مجموع الأسر التي عانت من تكرر حرمانها من تناول أي نوع من الطعام. ولم تبتعد نسبة الأسر الهامشية أو المعرضة لفقدان الأمن الغذائي كثيراً عن هذه الحالة من الحرمان التي عانت منها الأسر الفاقدة للأمن الغذائي، حيث بلغت 40%». وحتى بالنسبة إلى مؤشر تنوع أنماط استهلاك الغذاء، فإن أوضاع العديد من الأسر ليس بخير. ففي وقت كانت فيه مادة الخبز أو الطحين الأكثر استهلاكاً بشكل يومي من جميع الأسر، فإن تناول الألبان ومشتقاتها من قبل بعض الأسر كان مقبولاً ( 5 مرات أسبوعياً)، وانخفض تناولها إلى يومين فقط بين الأسر الحرجة الاستهلاك، أما الأسر الفقيرة أو الضعيفة الاستهلاك، فيندر تناولها لهذه المادة أو مشتقاتها، ويعزى ذلك الى ارتفاع أسعارها بشكل كبير مقارنة بسنوات ما قبل الأزمة. كما سجل تدني تكرار استهلاك الخضروات إلى أربعة أيام بين الأسر المقبولة الاستهلاك الغذائي، وإلى مرة واحدة على الأكثر في الأسبوع لدى الأسر الفقيرة الاستهلاك الغذائي.
وهذا ربما دفع نصف السوريين إلى الاعتماد، في تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية، على الإعانات التي تقدمها الحكومة أو منظمات الأمم المتحدة. وفي السياق، تشير بيانات المسح الديموغرافي، الصادرة عام 2018، الى أن نسبة الأسر التي تلقت أياً من أشكال المعونة بلغت نحو 53.8%. وهي نسبة تتباين بين المحافظات، حيث تبلغ أعلاها في محافظة القنيطرة (97.8%)، ثم درعا (94.8%)، فريف دمشق (78.8%). أما النسبة الأقل فقد سجلت في طرطوس (23.4%) والحسكة (25.8%).
في ضوء هذا الواقع الاقتصادي، ستكون هناك أُسر مهدّدة صحياً كونها قد تشكل هدفاً سهلاً للفيروس، وغيره من الأوبئة، بسبب عدم قدرتها على تحمّل تكاليف تنفيذ الإجراءات الوقائية من جهة، فضلاً عن أنها مهدّدة معيشياً لأنّ أي إجراء حكومي وقائي يتّخذ حالياً، قد يؤثر سلباً على جهودها في تأمين أبسط احتياجاتها، وخصوصاً في ظل عدم توفر مظلة حماية اجتماعية فعالة من جهة أخرى.

نقطة ضعف أخرى
القطاع الصحي السوري، أيضاً، في مواجهة غير متكافئة مع فيروس «كورونا». فإلى جانب الخسائر الكبيرة التي لحقت بالمنشآت الصحية المنتشرة جغرافياً، وخروج المئات منها عن العمل، تحضر الحالة الصحية للسكان والتي فقدت الكثير من مؤشراتها الإيجابية خلال سنوات الحرب، ما من شأنه رفع مستوى التهديد المباشر الذي يشكله الفيروس على حياة البعض. ويؤكد المسح الديموغرافي الأخير أن نسبة السكان المصابين بأمراض مزمنة تصل إلى نحو 14.6%، وهؤلاء ــــ بحسب منظمة الصحة العالمية ــــ أكثر عرضة من غيرهم لخطر فيروس «كورونا». وتضيف نتائج المسح إنّ أعلى نسبة من المصابين بأمراض مزمنة سجلت في محافظة السويداء (22%)، تليها دمشق (20%)، وتتضاءل إلى نحو 11% في كل من محافظتي حماة والحسكة.