قبل أقلّ مِن شهرٍ، كان البيت الأبيض يعتزم تخصيص 2.5 مليار دولار لمواجهة فيروسٍ عابر. لكن سوء التقدير مضافاً إلى بطء الاستجابة، وضعا العالم وأكبر اقتصادٍ فيه أمام تحدٍّ غير مسبوق. تحوّل المبلغ المتواضع إلى حزمة إنقاذ اقتصادية بقيمة 2.2 تريليون دولار (نصف ما تنفقه الحكومة الأميركية سنوياً ويبلغ 4.7 تريليون دولار)، وسط ركودٍ حادّ وازدياد هائل لأعداد العاطلين مِن العمل. الحزمة التي أُقِرَّت بإجماعٍ غير مسبوق في الكونغرس الأميركي، تهدف إلى تخفيف الأثر الاقتصادي لوباء «كورونا»، الذي حوّل الولايات المتحدة، في غضون أيام، إلى بؤرة الانتشار عالمياً، بعدد إصابات تخطّى، يوم أمس، الـ100 ألف حالة، بينهم أكثر من 1500 وفاة. وتنصّ الخطة على تقديم دفعات مالية إلى غالبية المواطنين، وإعانات بطالة ومعونات غذائية، وقروض للمشاريع الصغيرة، وتمويلات لدعم المستشفيات المكتظّة بالمرضى، فضلاً عن مساعدة الصناعات المتعثّرة، مثل قطاع الطيران.

حزمة الإنقاذ الاقتصادية أو خطة «الإنعاش الطارئة»، كما سمّاها زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، تُقدِّم نحو 500 مليار دولار على شكل مِنَح وقروض للشركات الصغيرة والصناعات الأساسية، بينها 58 ملياراً لقطاع الطيران، 50 ملياراً منها لشركات الطيران المدني موزّعة مناصفة بين مِنَح وقروض، والأمر نفسه ينطبق على شركات الشحن الجوي التي ستحصل على ثمانية مليارات دولار. خرجت الخطة بشكلها الحالي، برغم معارضة جمهوريّي مجلس الشيوخ إعطاء هباتٍ من دون مقابل لهذا القطاع، عارضين قروضاً لا مساعدات. لكن الكونغرس رضخ أخيراً، بعدما هدّدت شركات الطيران بتسريح عشرات الآلاف مِن العاملين في غضون أيام، إذا لم تحصل على تمويل. ورداً على التهديد، لحظت الخطة ما عُدَّ بمثابة ضمانة موقّتة لموظّفي القطاع، الذين لن يكون في الإمكان تسريح أيّ منهم أو تعديل عقودهم، قبل نهاية أيلول/ سبتمبر. ومقابل الدعم الكبير لقطاعٍ يعاني بفعل الأزمة المستمرة، قد تتمكّن الحكومة الأميركية مِن شراء حصص في هذه الشركات، وفق ما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، لافتةً إلى أن المشاركة الحكومية في رأس المال، إن حصلت، ستتمّ عبر حيازة سندات مالية (يمكن تحويلها إلى أسهم) تخوّلها بيع أو شراء أصول بسعر معيّن وضمن مهلٍ محدّدة.

يبلغ حجم الدين الفدرالي 80% من الناتج المحلي الإجمالي


كذلك تلحظ الخطة 100 مليار دولار لتوفير معدّات طبيّة للمستشفيات والمرافق الصحية، كما توسّع بشكل كبير مِن إعانات البطالة لمساعدة العمّال الذين فقدوا وظائفهم نتيجة الأزمة، إذ ترفع الدفوعات بـ600 دولار أسبوعياً، وتشمل العمّال الذين لم تنطبق عليهم شروط الاستفادة سابقاً، بمَن فيهم أصحاب المهن الحرّة والعاملون المستقلّون غير المتفرّغين الذين يتلقّون أجراً بالساعة (يُنتظر أن تصير نسبة البطالة مِن رقمين بحلول شهر نيسان/ أبريل بعدما استقرّت عند 3.5% في السنوات الثلاث الماضية). يضاف ذلك إلى مساعدة بقيمة 1200 دولار ستقدّمها وزارة الخزانة إلى جميع الأميركيين البالغين، و500 دولار لكلّ طفل.

من أين تأتي الأموال؟
يشير كل مِن لويز شاينر وديفيد ويسيل في تقرير لهما نُشر في معهد «بروكنغز» إلى أن العالم «مغمور بالمدّخرات»، نظراً إلى أن أسعار الفائدة على ديون الخزانة الأميركية وديون العديد من الحكومات الأجنبية، كانت منخفضة جداً قبل اجتياح «كوفيد 19»، ما يعني أن هناك مجالاً لزيادة الاقتراض بتكلفة منخفضة نسبياً. وفي أوقات الأزمات، يحرص الأفراد، كما المؤسسات، على استثمار أموالهم في ديون الخزانة، بدلاً مِن سوق الأسهم أو العقارات. على سبيل المثال، تحرّكت مليارات الدولارات من صناديق الاستثمار المشتركة في سوق المال (تستثمر في سندات دين قصيرة الأجل للشركات)، إلى الصناديق التي تستثمر فقط في ديون الحكومة الأميركية. وهذا يسهّل على وزارة الخزانة الاقتراض أكثر، من دون إجبارها على دفع أسعار فائدة عالية. كذلك، يمكن «الاحتياطي الفدرالي» (المصرف المركزي الأميركي) أن يطبع المال، ويمكنه استخدام هذه الأموال لشراء السندات الحكومية (هذا ما فعله خلال فترة الركود بين 2007 و2009، وما يفعله الآن). ويلفت الكاتبان إلى أن «الاحتياطي» لا يمنح الأموال مباشرة إلى الخزانة، بل يقوم بشراء سندات دَين حكومية مِن مستثمرين في القطاع الخاص أو حكومات أجنبية. وكلّما اشترى أكثر، انخفضت أسعار الفائدة التي يتعيّن على الحكومة دفعها لدى اقتراضها مجدّداً. وفي ظلّ أسعار فائدة عند أدنى مستوياتها التاريخية، هناك سبيل لزيادة الاقتراض من دون القلق في شأن إضعاف الاستثمار الخاص. مع ذلك، قد تكون هناك قيود سياسية على مقدار استدانة الحكومة، ومقدار الدين الحكومي الذي يمكن «الاحتياطي» شراءه. ولكن طباعة الكثير مِن الأموال، ستنتج، في مرحلة ما، زيادة في التضخم، ما سيحتّم على المركزي رفع أسعار الفائدة لإبطاء الاقتصاد، وكبح التضخم.
وقياساً بحجم الاقتصاد، فإن الدين الفدرالي هو أكثر مِن ضعفَي ما كان عليه قبل الركود (80% من الناتج المحلي الإجمالي راهناً، مقابل 35% في نهاية عام 2007)، وأكبر من أي وقت في تاريخ الولايات المتحدة، باستثناء فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا الرقم القياسي، يقول الكاتبان، سيتحطّم بالتأكيد. ولكن في مثل هذه الأوقات يصبح الاقتراض الحكومي لتمويل الإنفاق الأساسي حكيماً، إذا كان البديل هو الدمار، اقتصادياً كان أو غير ذلك. وطالما بقيت أسعار الفائدة منخفضة، يمكن للحكومة تحمُّل عبء الديون الثقيل.