أعلنت اللجنة الأولمبية الدولية الثلاثاء الماضي بالاتفاق مع الحكومة اليابانية تأجيل الألعاب التي كانت مقررة بين 24 تموز/يوليو والتاسع من آب/أغسطس، بعد ضغوط واسعة من الاتحادات والرياضيين بطلب الإرجاء في ظلّ توقف النشاط الرياضي حول العالم بسبب «كوفيد-19». ولم يسبق للألعاب الأولمبية أن أُرجئت أو أُلغيت في عصرها الحديث (أي منذ عام 1896)، لسبب باستثناء الحرب العالمية. وترتبط شركات عالمية كبرى بعقود مالية ضخمة مع اللجنة الأولمبية ومنظمي الدورة الأولمبية التي تعدّ أكبر حدث رياضي في العالم، وتنظّم مرة كل أربعة أعوام بمشاركة زهاء 11 ألف رياضي وحضور مئات الآلاف من المشجعين، ما يوفر فرصة تسويقية لا مثيل لها للمعلنين.

رغم ذلك، يرى متخصّصون أن التأجيل لن يثير حفيظة الشركات الراعية، لا سيما أن تأثير الفيروس لا يقتصر على المجال الرياضي، بل تسبّب أيضاً بأضرار بالغة على الصعيد الاقتصادي.
ويرى البريطاني مارتن سوريل، الخبير البريطاني المخضرم في مجال الإعلان، أن تأجيل الأولمبياد كان منطقياً ليس فقط من وجهة نظر رياضية، بل اقتصادية أيضاً، بعدما بات تأثير الفيروس يوازي تأثير الحروب.
ويوضح مؤسّس شركة «دبليو بي بي» في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، «الرعاة سيفضلون (إقامة الأولمبياد) في العام المقبل في كلّ الأحوال نظراً إلى الفوضى القائمة في الوقت الراهن، لذا فإنّ الأمر مناسب للمجموعتين من الرعاة»، في إشارة إلى الدوليين والمحليين.
ويضيف سوريل، الذي ترك «دبليو بي بي» عام 2018، «يسألني الناس عمّا إذا كان الركود الاقتصادي حالياً مختلفاً عن غيره. أقول إن لا مثيل له، المقارنة الوحيدة هي مع زمن الحرب».
ويتوقع أن يكون «الربع الثاني من هذا العام صعباً جداً على صعيد النتائج المالية، الربع الثالث أقل صعوبة أمّا الربع الأخير فسيكون أفضل، ستكون هناك إشارات من أجل التعافي بحلول الموعد الجديد للألعاب».
من جهة أخرى، يرفض المدير التسويقي السابق في اللجنة الأولمبية الإيرلندي مايكل باين التقارير التي أشارت إلى أن رئيس اللجنة الألماني توماس باخ والمنظمين المحليين رضخوا لرغبات شركائهم التجاريين. ويقول: «الأمر الأكثر بعداً عن الحقيقة هو أن قرار اللجنة الأولمبية الدولية مرتبط بالشركاء التجاريين»، موضحاً أن المتعارف عليه في حالات مماثلة هو «إبلاغهم مسبقاً، لكن ليس استشارتهم» بشأن القرار.

أولمبياد العام المقبل سيكون مختلفاً لناحية التأثير العاطفي، لكونه سيحمل رسالة أن العالم تغلب على الوباء


وسبق لباخ أن شدّد على أن التبعات المالية لتأجيل الأولمبياد «لم يتم التطرق إليها وليست الأولوية، الأمر يتعلق بحفظ الحياة».
ويوضح باين الذي أمضى قرابة عقدين من الزمن في اللجنة الدولية ويُنسب إليه دور بارز في الترويج لعلامتها التجارية وجذب الرعاة إليها، أن الهيئة الدولية ليست تجارية بقدر الاتحادات والهيئات الرياضية الأخرى.
ويضيف «بطولات كرة القدم والفورمولا واحد هي مؤسسات تجارية أكثر، وإن كانت المبالغ المالية فيها أقل بكثير» من عائدات الحركة الأولمبية أو الألعاب التي رصدت اليابان نحو 12 مليار دولار لإقامتها.
ويندرج الرعاة الأساسيون للألعاب ضمن «برنامج الشريك الأولمبي» الذي وضعته اللجنة الدولية عام 1985، ويضمّ حالياً 14 شركة منها «كوكا كولا» للمشروبات الغازية و«تويوتا» للسيارات و«سامسونغ» للإلكترونيات. وتستثمر كل منها أكثر من مئة مليون دولار لتكون راعياً أساسياً.

تفاؤل وأمل
شغل تيرينس بورنز منصب المدير التسويقي في اللجنة الأولمبية سابقاً، وهو حالياً نائب الرئيس التنفيذي لشركة «غلوب سبورت» المتخصّصة في مجال التسويق وشركة «انجين شوب» للعلامة التجارية، ويقدم دوراً استشارياً لـ«أليانز»، شركة التأمين التي تعدّ من الرعاة الأساسيين للأولمبياد.
ويرى بورنز أن التأجيل لم يؤثر بشكل كبير على الشركات الراعية، لا سيما أن الألعاب ستحتفظ بتسمية «طوكيو 2020» لدى إقامتها في العام المقبل، بحسب تأكيد مسؤولين يابانيين هذا الأسبوع.
ويقول: «هذا أمر غير مسبوق لكل الرعاة الذين تنتهي فترة حقوقهم أو تبدأ أو يتم تمديدها في نهاية فترة الأعوام الأربع (2020)»، موضحاً أن «الأمرين الأساسيين للتعامل مع هذا الوضع الفريد هما المرونة والإنصاف». ويتابع «لحسن الحظ، عقود الرعاية الأولمبية دقيقة لناحية أين وكيف ومتى ومن يمكنه استخدام حقوق الملكية الفكرية للألعاب الأولمبية».
ويوضح بورنز أن اللجنة طمأنت الرعاة الذين تنتهي عقودهم في 2020، مضيفاً «سبق للجنة الأولمبية الدولية أن أعلنت أن رعاة أولمبياد طوكيو الذين تنتهي حقوقهم هذا العام، سيتم تمديدها للألعاب العام المقبل».
ويشير إلى ضرورة اتّخاذ خطوات للتأقلم «في بعض الفئات، لكنني شخصياً لا أرى أن أيّ أمر سيكون صعباً أو غير قابل للحل».
ويعتبر بورنز أن أولمبياد العام المقبل سيكون مختلفاً لناحية التأثير العاطفي، لكونه سيحمل رسالة أن العالم تغلب على الوباء. ويوضح «الأولمبياد، أقله بالنسبة إلي، يعني التفاؤل والأمل، إذا نجحنا في احتواء أو إنهاء الأزمة العالمية العام المقبل، أعتقد أن الألعاب ستكون منصّة لاحتفال فريد ورائع للإنسانية».