اللافت في هذه الحرب أنها جاءت صامته قاتلة مرعبة ثائرة هوجاء مدمّرة، سخرت من الإنسان وأسلحته الهشّة بمواجهتها. عطسة أطلقت منها ملايين من المخلوقات المجهرية الميكروسكوبية المدوية، النظامية، المنضبطة، المخضرمة، المعدّلة جينياً، غير مرئية وغير مسموعة.

لم ينفع الإنسان تطوّر علومه التكنولوجية، ولا ترسانة أسلحته تمكنت من وقف الوباء، بل شعرنا بضعفنا، وفُرض علينا إعادة النظر بحضارتنا هذه التي نتغنّى بها بعد أفولها المفاجئ، وسقوطها عاجزة عن وقف الجائحة الغاضبة من الإنسان.
وكأن الفيروس الغاضب يذكّرنا أنّه يعود إلى البشر كل 100 سنة. نستذكر الطاعون، في عام 1720، يومها كان عدد سكان الأرض أقلّ من مليار، ومات مئة ألف شخص. بعدها بمئة سنة اجتاحت الكوليرا العالم، في عام 1820، وأودت بحياة أكثر من مليون شخص، وكان عدد سكان الأرض حوالى المليار نسمة. مجدداً بعد مئة عام أخرى، انتشرت الإنفلونزا الإسبانية، في عام 1920، وقتلت نحو 50 مليون بشري من أصل ما يقارب ملياري نسمة، كانت تشكّل عدد سكان الأرض.
وها نحن الآن في عام 2020، مع 8 مليارات نسمة والطفرة التكنولوجية، مع الطب الحديث وعلم «النانو»، لكنّ «المخلوقات الخفية» عادت بعد 100 عام، وهاجمتنا لتحصد البشر، وتكسر عنجهية الإنسان وتطارده، فيهرب منها مثل الفئران الموجودة في بؤر من الذل والفقر والفساد. أقعدتنا الـ«كورونا» في بيوتنا خائفين خائبين، عجزُنا كبير برغم كل العلوم و التطور وتكنولوجيا الثورة المزعومة.
ولكن لماذا تعود هذه المخلوقات الخفية لتفتك بنا كل 100 عام؟
قد يجد الأطباء الباحثون لقاحاً للـ«كورونا»، ولكنّهم لن يجدوا سبباً يفسر عودة الفيروس كل قرن. لا يبدو أنه سيُعثر على الجواب في المختبرات ومفرداتها الطبية. ربما المطلوب منّا النظر من جديد إلى حضارتنا، وأن نتأمّل جيداً ونراجع سلوك الإنسان في مجتمعاته.
وسنجد الملوك والرؤساء والعلماء، وكل من علا شأنه، تقوقعوا داخل هيستيريا الأوليغارشية بعدما استباحوا آبارها طمعاً بالنفط، وقطعوا أشجارها لبناء مستعمراتهم، ونقّبوا الألماس والذهب من المناجم.
8 مليارات نسمة، مع علوم كبيرة وواسعة، ويعتقدون أنّ لا شيء يعصى عليهم. لم يكونوا مُدركين أنّ خلال المئة العام من التطوّر والتكنولوجيا الغارقين فيها، كانت ثمة خلايا مجهرية تتجهّز وتتدرّب وتتفاعل في الخفاء، وبسرية تامة، لتثور على البشرية وأفعالها التخريبية بحق الأرض والطبيعة.

لعلّ العطسة الفيروسية التي فتكت بالبشرية في زمن الـ«كورونا» تكون صفعة مدوّية في وجه النجاة من هذه الحرب ضد اللامرئي واللامسموع


لقد استعدّت هذه المخلوقات الخفية لثورة حقيقية وفعلية للانقلاب على الإنسانية، ثورة جنودها أذكياء أقوياء نذروا أنفسهم للتكاثر ونشر الوباء بين البشر. فلا راتب لهم ولا يطلبون مقابلاً ولا يعتدون على أملاك الغير، ولا يشهرون سلاحاً ولا يطلقون رصاصاً.
همهم الوحيد وشغلهم الشاغل التفكير في كيفية إعداد الخطط للهجوم على أي بشري يظهر قبالتهم، وتطويعه لخدمتهم لنقل العدوى والانتصار في معركتهم الوجودية وتدمير المخلوقات الهوموسابينية.
هي ثورة جهّزنا أسبابها بأنفسنا، فجاءت كردّ فعل مواز لسلوكنا في الأرض، وستأتي كل 100 عام طالما هناك من البشر من يؤمّن لها مكنوناتها والحضن الملائم لتكاثرها وتطوّرها وانتشارها.
لعلّ العطسة الفيروسية التي فتكت بالبشرية في زمن الـ«كورونا» تكون صفعة مدوّية في وجه النجاة من هذه الحرب ضد اللامرئي واللامسموع، أو لعلّها المؤذّن لنفهم أننا مثل سائر الأنظمة الذكية نحتاج إلى تحديث (update) كل مئة عام، فيخرج العالم القديم من التاريخ ومعه ضحاياه ويدخل العالم الجديد على أمل ظهور أجيال تنكبّ على التفكير والتدبر لمستقبل خالٍ من أزمات خلايا صامتة وسرية تستدعي عودة العدو اللامرئي بعد 100 عام.

* محامية لبنانية