مثّل فيروس «كورونا» تحدّياً كبيراً للبشرية، على المستوى الإنساني والاقتصادي والاجتماعي ـــــ العلمي. فبعد الحرب العالمية الثانية، وبداية التقدّم على المستويات كافة، وبداية تعميم العولمة على المستوى الدولي، منذ بداية الثمانينات، لم يواجه النظام الدولي أزمة خطيرة، كانتشار هذا الوباء في معظم دول العالم. ومن الظواهر الخطيرة في هذا المجال، انهيار المنظومة الصحية لأهم الدول الكبرى ومنها: الولايات المتحدة، إيطاليا، إسبانيا، فرنسا والصين. أما على صعيد المنظمات الدولية، فقد تعاملت منظمة الصحة العالمية مع وباء «كورونا»، في بداية ظهوره، بالخفة وعدم الجدية، ما خلا بعض الإحصاءات التي كانت ترِدها من البلدان المصابة بالفيروس، حتى تأخرت في إعلان Pandemic، بينما لم تُنسق مع المراكز العلمية في أوروبا وأميركا، للعمل على إنتاج لقاح مؤقت لوقف انتشار الفيروس. وما يدعو إلى القلق، أيضاً، هو عدم قيام مجلس الأمن القيّم على الأمن والسلم الدوليَين، بالدعوة إلى جلسة طارئة لتدارس موضوع الوباء، لأنه يشكل خطراً يطال البشرية الجمعاء، وليس دولاً بعينها، بحيث تنتفي إزاء الحدّ من انتشاره، قضايا الهيمنة والاستراتيجية والعولمة. وهذا مؤشّر خطير للنظام الدولي، في ظلّ تفشي وباء «كورونا». أمّا مبادرة الأمين العام للأمم المتّحدة، التي تمثلت في جمع مبلغ ملياري دولار لمكافحة «كورونا»، فلم تنَل التلبية المطلوبة، وذلك لانشغال كل دولة في تأمين المستلزمات الطبية لمواطنيها.

على الصعيد الأوروبي، بيّنت محنة «كورونا» تفكّك الاتحاد الأوروبي، وانهيار سُلَّم القيَم والتضامن في مؤسساته، وفي الدول المنضمة إليه. فقد ارتفعت الإصابات في إيطاليا إلى معدلات قياسية، ووصل عدد الوفيات إلى ألف ضحية في اليوم. وهي إزاء ذلك، لم تتلقَّ أية مساعدة من الاتحاد، أو من الدول القديمة في القارة، كفرنسا وبريطانيا وألمانيا، ما جعل الشعب الإيطالي يكفر بالاتحاد الأوروبي، ويرحّب بالمساعدات الصينية والكوبية، لوقف زحف «كورونا» على أراضيه.
فيروس «كورونا» قد يتسبّب في تشكيل أزمة بنيوية في التكتّل، في وقت تتساءل فيه النخبة السياسية في إيطاليا، مثلاً، عن فائدة الانتماء إلى الاتحاد، ما دامت الدول الأوروبية لم تتحرك لمساعدة دولتها في محنتها.
على صعيد آخر، بيّنت أزمة تفشّي وباء «كورونا»، انهيار المنظومة الصحية لبعض الدول المتقدمة، كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها. ولا يمكن استثناء روسيا، نظراً إلى عدم الشفافية في الإحصاءات والمعلومات عنها، كذلك دول أوروبا الشرقية والتي تُظهر شفافية في الإحصاءات المودعة لدى منظمة الصحة العالمية، متلطّية بالأخبار التي تتداولها وسائل الإعلام عن الصين، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا. فضلاً عن ذلك، أظهرت أزمة «كورونا» عدم جدية الدول في مكافحة الوباء، ففي إيطاليا ظلّت الدولة تتعامل بخفّة وخفر مع الموضوع، حتى أصبح شمال البلاد، وخصوصاً منطقة لومبارديا، مركزاً لتفشّي الوباء في كلّ أنحاء إيطاليا.
أما في إسبانيا، فكان السبب الرئيسي لانتشار «كورونا» في مدينة مدريد وضواحيها، هو تساهل الحكومة في 12 آذار الماضي، وسماحها لتظاهرة كتلة اليسار الممثلة في الائتلاف الحاكم في الحكومة الإسبانية. لذا، انتشر الوباء بسرعة كبيرة، بعد التظاهرة، لتصل الإصابات في مدريد وضواحيها إلى حوالى 60% من الإصابات في كل إسبانيا.
على صعيد آخر، اتّخذت أزمة تفشي «كورونا» في بريطانيا، طابعاً متوحشاً، بعد إعلان رئيس الوزراء بوريس جونسون، أنّ على البريطانيين أن ينتظروا خسارة أحباء لهم، وهو تصريح يتماهى مع نظريات مالتوس، في ما يتعلق بوقف النمو السكاني.
أما الولايات المتحدة، فقد تعامل رئيسها دونالد ترامب بخفة وعدم مسؤولية مع تفشّي «كورونا»، الأمر الذي انعكس في تصريحاته المتناقضة، وميله نحو إعادة تحريك العجلة الاقتصادية، معتبراً هذا القطاع أهم من حياة الإنسان. السؤال الذي يُطرح، هنا، هو عن هوية وديموقراطية الولايات المتحدة، بعد إلغاء ترامب مشروع الرعاية الصحية، الذي أنشأه الرئيس السابق باراك أوباما لمصلحة الطبقة الفقيرة، فضلاً عن التحدّي الذي تواجهه البلاد، والذي يتمثّل في ماهية مفاهيم الديموقراطية إزاء الجنوح نحو الليبرالية المتوحّشة. فهل يمثّل كل ذلك الغطاء للأوليغارشية، المتمثلة بالمجمّع العسكري الصناعي ومصانع الأدوية؟
أما بالنسبة إلى الصين، التي كانت مصدر الوباء، فقد رافق تفشّيه في مدينة ووهان، عدم إعلان أعداد المصابين بصورة صحيحة، ما بعث الشكوك في أرقام المصابين من قبل السلطة الصينية. إلا أنّ الصين، بعدما احتوت الوباء في مدينة ووهان، عادت لتزوّد منظمة الصحة العالمية بالأرقام الصحيحة. وقد تحوّلت من مصدر للفيروس، إلى التعاون والتضامن مع المجتمع الدولي، عبر مدّ بعض الدول المصابة، ومنها إيران وإيطاليا وغيرهما، بالمستلزمات الطبية اللازمة لمكافحة «كورونا».

تداعيات أزمة كورونا على النظام الدولي
من الطبيعي أن تكون لقضية انتشار «كورونا» تداعيات على المستوى الدولي، وعلى صعيد مقاربة سلّم القمم والأولويات للأنظمة الصحية والاقتصادية للدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. فالسؤال المطروح يرتبط بإمكانية تعديل نظام مجلس الأمن، وخاصة المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تولي المجلس حفظ الأمن والسلامة الدوليين، حيث تشمل صلاحيته الأمن والتعاون في المجال الصحي، وإلزام الدول التي تتسبّب في انتشار الوباء بعقوبات اقتصادية. ويبدو أن هذا الموضوع قد طرح عام 2007، في اجتماع أوسلو الوزاري، والذي ضمّ وزراء خارجية البرازيل وفرنسا وأندونيسيا والنروج وجنوب أفريقيا وتايلندا، والذين أصدروا إعلان أوسلو، الذي تضمّن عشرة معايير تمثّل التزاوج بين الأمن والصحة:
A global partnership for overcoming both structural and Economic barriers for development and health is fundamental to neglected and emerging infections discuses.
وقد استوحت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في إعلانها الصادر في كانون الأول 2012، حول «الصحة العامة والسياسة الخارجية»، من «إعلان أوسلو»، فدعت الدول الأعضاء إلى الاعتراف بالترابط الواضح بين تعزيز الصحة العامة والمسائل المتعلّقة بالسياسة الخارجية.
في المحصّلة النهائية، ستستدعي أزمة «كورونا» إعادة النظر في الأنظمة الصحية للدول العظمى والمتوسطة، ضمن مفهوم إنساني وثقافي جديد، يتمثل في إيلاء الأهمية لصحة الإنسان، في الأولوية، قبل تعزيز النمو الاقتصادي. كذلك، أظهرت هذه الأزمة عجز الدول المتقدمة عن مكافحة الوباء، رغم التقدم العلمي والتقني والمعلوماتي، في القرن الواحد والعشرين. يبقى أنه، بعد الانتهاء من هذه الأزمة، يجب إعادة النظر في النظام الدولي القائم، وتطويره إلى نظام دولي يشدّد على حقوق الإنسان في إطار الجماعة، وعلى التضامن الدولي الإنساني، من أجل غد أفضل للبشرية.
* سفير لبناني سابق