مع انتشار فيروس "كورونا"، وارتفاع عدّاد الإصابات، ودخول معظم الناس في الحجر المنزلي، بدأت تُسمعُ أصواتٌ، متسائلة: ماذا عن الأسرى؟ كيف يقضون يومهم؟ وهم الذين بين أربعة جدران وأسلاك شائكة! وفيما البشر المحجورون في سجن العالم الأكبر متمتعون بكلّ مقومات الحياة يتذمّرون من الجلوس المتواصل في المكان نفسه، قد يُسأل كيف استطاع أحدهم قضاء عقود في السجن، محروماً من أبسط مقومات العيش، وأغلى ما قد يملكه الإنسان: الحرية!


متاهة دائرية مملة بلا نهاية
المشهد نفسه يتكرّر بين كل السجون التي أنشأها الاحتلال على أرض فلسطين؛ بالإمكان تفكيكه على النحو التالي: أسلاكٌ شائكة، ثم جدار بارتفاع 12 متراً، فبوابة ضخمة تدخل منها إلى بوابة ضخمة أخرى، ومن ثم إلى أسلاك شائكة، تسير في ممر محاط بالشِباك، محاصر بكاميرات المراقبة، المخفية والظاهرة. تدخل إلى غرفة تفتيش، بداخلها جهاز تفتيش الأجسام وجهاز تفتيش الأحذية مثل أجهزة تفتيش المطارات، ما يوحي بأنك بصدد «السفر» إلى عالم آخر.
هنا، تدخل ممراً آخر محاطاً بالأسلاك الشائكة والجدران الحديدية ومحاصراً بكاميرات أخرى، ثم بوابة كهربائية زرقاء اللون، فالأزرق والرمادي هما اللونان الأكثر حضوراً في السجن، ثم تدخل إلى ساحة صغيرة، وهناك تُفتَّش مرة أخرى بآلة يدوية، وبعدها تعبر من بوابة حديدية شبكية ضخمة إلى القسم الذي يحتوي على ساحة طولها ما يقارب 30 متراً وبعرض لا يتجاوز عشرة أمتار. تقف في ساحة الفورة فترى أمامك طابقين، في الطابق الأول خمس غرف للأسرى وغرفة مرفق البيع «الكنتينة» وغرفة غسيل تستخدم مكتبة أيضاً، وفي زاوية الطابق الأول غرفة للاستحمام. في الطابق الثاني سبع غرف للأسرى وغرفة للاستحمام، وأخرى تستَخدَم كمخزن لملابس الشتاء أو الصيف الخاصة بالأسرى. تنظر خلفك وأنت في الساحة، فترى جداراً بارتفاع ثمانية أمتار، وتنظر إلى السماء فترى أسلاكاً شائكة وألواحاً حديدية تغطّي سقف القسم، فيها فتحات صغيرة حتى تستطيع قوات القمع، في وقت الاستنفار، الصعود على السقف وإسقاط قنابل الغاز والصوت من خلالها. كل هذا تُستثنى منه زاوية واحدة مكشوفة يدخل منها بعض أشعة الشمس.
بعد ذلك كله، تلج غرفة لا يتجاوز طولها ستة أمتار وعرضها ثلاثة أمتار، تحتوي مرحاضاً صغيراً ومغسلة واحدة وزاوية صغيرة للطبخ، فترى عشرة أسرّة أو «أبراش» كما يسمّيها الأسرى. ولكل واحد منهم «برش» خاص به، بطول 190 سنتم وعرض 80 سنتم، وتكون هذه فقط هي مساحتك شبه الخاصة في السجن. هكذا هو مكان الحجر عند الاحتلال!
أما الوقت، فلا يقاس بآلة الزمن التي تتحرك خارج الجدران؛ ففي الساعة السادسة والنصف من كل صباح، وبشكل يومي وإجباري، يستيقظ الأسرى على صراخ السجّانين وطرقاتهم على أبواب غرف السجن: «عدد ...عدد». هكذا، تصحو من نومك وأحلامك خلال وقت قصير جداً، حيث يجب عليك الوقوف على قدميك ليدخل ضابط العدد، ويتأكد من وجودك كرقم في السجن! يعود بعض الأسرى إلى نومهم، والبعض الآخر يبدأ يومه بممارسة الرياضة في الساحة بعد خروج السجّانين من القسم. في الساعة التاسعة، يكون الصحو الصباحي الذي يفرضه التنظيم داخل السجن، ضمن سياق برنامج إداري وثقافي وحياتي معيّن، ويختلف اختلافاً بسيطاً في بعض التفاصيل، بين فصيل وآخر.
فترة الصحو الصباحي تبدأ بشرب الشاي أو القهوة، وتدخين سيجارة الصباح التي يشتريها الأسرى على حسابهم الشخصي من «الكنتينة»، علماً بأنّ إدارة السجون مجبرة بتوفيرها على حسابها. وفي العاشرة، تبدأ جلسة المطالعة الذاتية، حيث يقرأ فيها الأسرى ما توفّر من كتب في مكتبة السجن، التي تحاول إدارته حرمانهم من إدخال الكتب، باستثناء تلك التي تتوافق وشروط ضباط الاستخبارات.
في الساعة الحادية عشرة، يبدأ أحد الشباب المتطوّعين في الغرفة بإعداد طعام الفطور، ويخرج البعض إلى «الفورة» حتى تجهيز السفرة، فيجتمع رفاق الغرفة على المائدة، يتناولون ما تيسر وما توفره الإدارة من أصناف قليلة، يشكل الفول والبيض عنصرين أساسيين فيها يومياً.
وفي أثناء ذلك، يدخل السجانون إلى القسم لتفتيش الغرف، فينادي شاويش القسم (ممثل الأسرى أمام الإدارة) بصوتٍ عال «دق أرضيات يا شباب»، يقطع الأسرى فطورهم ويضطرون إلى القيام عن المائدة والخروج من الغرفة، حتى يستطيع السجّان الدخول إلى الغرفة وتفتيشها وتقليب الفرش وضرب أرضية الغرفة وجدرانها وشباكها بعصا غليظة «دبسة»، ومن ثم يعود الشباب لاستكمال فطورهم. وبعد الانتهاء منه، تُجلى الصحون في المغسلة الوحيدة في الغرفة، الموجودة في الحمّام. تُشطف الغرفة بالماء والصابون، ولأنّ الصابون الذي توفّره الإدارة لا ينظف كما يجب، يستخدم الأسرى علب «شامبو» الرأس الخاصة بهم، فيخلطونها مع صابون الإدارة حتى يزداد مفعول السائل وتتغيّر رائحة الأرضية.
لا ينتهي العدّ هنا، ففي حوالى الساعة 12:30 ظهراً، يدخل السجّانون مرة ثالثة وهم يصرخون «عدد ...عدد». أي إنه في غضون الخمس ساعات الأولى، يكون السجّانون قد دخلوا إلى الغرفة ثلاث مرات! بعد الانتهاء من العدد، وفي الساعة الواحدة، تبدأ الجلسات التثقيفية، وهي عبارة عن محاضرات يومية تضم مجموعات من الأسرى، يتحاورون خلالها في موضوعات وعناوين متعدّدة، مثل: تاريخ فلسطين، تاريخ الصهيونية، اقتصاد سياسي، تجارب حركات ثورية...إلخ. وفي الساعة الثانية ظهراً، تبدأ ساعة «القيلولة»، وهي ساعة مقدّسة عند الكثير من الأسرى، إذ تضيع ساعة من زمن السجن لا تشعر بها، ومن لا يريد أن يستغلّها يجب عليه توفير هدوء حتى الساعة الثالثة.

عيادات السجن والأدوية المقدمة إلى الأسرى لا ترقى إلى المستوى الأدنى للعناية المطلوبة، والأطباء متعاونون تماماً مع أجهزة الأمن وتعليماتها


بعد ذلك، يخرج الأسرى إلى «الفورة»، يتبادلون أطراف الحديث والنكات، والقصص الشخصية، والشؤون الاعتقالية والنضالية، ويلعبون "تنس الطاولة" الموجودة في طرف الساحة، بينما يحلق أحدهم رأسه أو لحيته. طبعاً هناك حلّاق أو اثنان لكلّ قسم، يتطوّعون من الأسرى، وبالمناسبة هناك الكثير من الشباب تعلّموا هذه المهنة بالتجريب في رؤوس رفاقهم، وخرجوا إلى الحرية وافتتحوا صالونات حلاقة، وأصبحت مصدر رزقهم.
عند الساعة الرابعة مساءً، يدخل السجّانون إلى الغرف للمرة الرابعة للتفتيش مرة أخرى، ويصرخ الشاويش مرة ثانية «دق أرضيات يا شباب»، ويتكرّر المشهد نفسه، قبل أن يدخل الأسرى عند السادسة والنصف مساءً إلى غرفهم بقرار من إدارة السجن. وبعد ساعة تقريباً أو أقل، يدخل السجّانون للمرة الخامسة ويصرخون «عدد ...عدد»، في هذا العدد يقوم ضابط السجن بتشخيص كل أسير بالاسم والصورة!
تغيب شمس النهار، وتُغلق أبواب الغرف التي تعمل بالكهرباء، بعدها يضع سجّانٌ الأقفال على باب كل غرفة، ليبدأ الأسرى يوماً جديداً في الليل داخل غرفهم، من دون السماح لهم بالخروج إلى الساحة حتى صباح اليوم التالي. وللمناسبة، إذا سألتم أيّاً من الأسرى المحرّرين عن أكثر أمنية كان يرجو حدوثها في السجن، سيجيبك من دون تردّد: «كان دائماً نفسي أشوف الليل، أشوف الدنيا وهي ليل، أشوف السماء والقمر».
في داخل الغرفة، يبدأ أحد الأسرى المتطوعين بإعداد طعام العشاء، الذي هو وجبة الغداء والعشاء معاً، وهناك من يقوم بإعداد الحلويات لتناولها بعد العشاء، مثل الكنافة التي يتم صنعها من الخبز، والعوامة والهريسة أو الأرز بالحليب والشعيرية بالسكر. وترى اثنين من الشباب يلعبون الزهر أو الشطرنج، أو مجموعة تلعب الدومينوز، وهي ألعاب تدخلها «المنظمة الدولية للصليب الأحمر» إلى السجن، بين الفترة والأخرى، وهنالك من يشتغل بالأعمال اليدوية، ربما يصنع إسوارة لحبيبته من خيوط منشفة تالفة، وترى أحدهم يتابع التلفاز، أو يسمع الموسيقى على الراديو الصغير، أو جهاز تشغيل الأسطوانات أو الأشرطة. تخيّلوا! هل بقي أحد يستخدم الـDisk man او الـWalk man لسماع الموسيقى! أغاني وموسيقى محدودة، حيث لا يوجد «ساوند كلاود» ولا «يوتيوب» لتشغل أي مقطوعة تخطر على بالك. تخيّلوا أن هناك أشرطة عمرها 30 عاماً موجودة في السجون!
وعلى أحد الأبراش ترى أسيراً يطالع كتاباً، أو يعدّ لجلسة الغد، أو يكتب تعميماً حزبياً سيقرأ غداً على مسامع الرفاق، كل ذلك يكون في انتظار الطعام. وبعد تناوله، تُجلى الصحون وتنظّف الغرفة مرة أخرى.
في كثير من الأحيان، يقوم الأسرى بتنظيف غرفهم ثلاث مرات في اليوم، وذلك بسبب الاكتظاظ، وبسبب الشعر الذي يتساقط من أجسادهم بشكل يومي نتيجة قلّة تعرّض الجسم لأشعة الشمس. بعد العشاء وتنظيف الغرفة، يتناول الجميع ما تم إعداده من حلويات، ويدور حديث بين الجميع، نكات ونقاش في السياسة، وربما بعض أغنيات الحب والثورة والحرية. تستمر هذه الحالة حتى الساعة الحادية عشرة مساءً، حيث إنّ لكل أسير الحرية في فعل ما يريد، ولكن من دون أن يزعج الآخرين. إنها مهمة صعبة في هذه المساحة!
بعد ذلك، يبدأ ما يسميه الأسرى «الالتزام النسبي»، حيث يطفئ ضوء الغرفة ويخفض صوت التلفاز وصوت الأحاديث الجانبية. وفترة الالتزام النسبي، أَوجدها التنظيم داخل السجن لتكون فرصة لجميع من في الغرفة كي يجهّزوا أنفسهم للنوم، ويوفّروا الهدوء لإعطاء فرصة للمطالعة قبل النوم. عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، يدخل الأسرى في «الالتزام التام»، فيُطفأ التلفاز ويبقى كل أسير على برشه حتى ينام الجميع. هكذا ينتهي اليوم في السجن، ويعود الأسرى إلى الوتيرة نفسها، والبرنامج نفسه، في اليوم التالي.
من المهم الإشارة إلى أنّنا هنا نتحدث عن الوضع «الطبيعي» للحياة في السجن، وليس عن العزل الانفرادي أو زنازين التحقيق والتعذيب، أو الاقتحامات التي تنفذها قوات القمع لأقسام الأسرى وغرفهم، لتفتّش حتى أدق الأماكن حساسية في أجسادهم. في هذا «الحجر الطبيعي»، يعيش نحو ستة آلاف أسيرة وأسير، بينهم أكثر من 250 طفلاً... تخيّلوا أن طفلاً يعيش في مكان كهذا، فضلاً عن الأسرى المرضى الذين تجاوز عددهم ألف أسير!
من الصحيح أننا في حالة إسرائيل أمام نموذج استعمار استيطاني و«دولة» حديثة في الوقت ذاته، وهذا ما يجعلها أحياناً تلجأ إلى استخدام «القوة الناعمة»، أو القمع و«صهر الوعي»، بأدوات وأساليب لا تظهر للجميع على أنها ممارسات استعمارية وتعذيب وحشي.

أسرى ومرضى... وإهمال طبّي
«لمّا بتجيني نوبة الألم، وأتخيّل إني رح أروح من السجن في كيس أسود، بحس قلبي بده ينخزق وبصير الوجع وجعين»، هذا ما قاله لي أحد رفاق الزنزانة الذي يعاني من آلام الكلى، ونحن نتمشى في ساحة «الفورة» في سجن النقب الصحراوي!
بحسب إحصائيات «هيئة شؤون الأسرى والمحررين»، فإنّ هناك ما يفوق ألف أسير وأسيرة يعانون من أمراضٍ مزمنة وخطيرة، مثل السرطان، وذوي إعاقة تعرّضوا لإصابات وتقطيع أيدي وأرجل خلال اعتقالهم، إضافة إلى هؤلاء الذين يعانون من أوجاعٍ في المفاصل والظهر، وسكّري، وضغط وقرحة وقولون عصبي والتهابات في الدم، والكثير من الأمراض الأخرى. هؤلاء الأسرى يتلقّون عناية طبية شبه معدومة، إهمالٌ طبي حقيقي، وهم موجودون في ما يسمى «مستشفى» سجن الرملة. أقلّ ما يقال عن هذا المستشفى أنه مسلخ، فقد زرته في الاعتقال الأول لثلاثة أيام، دخلت بعدها في حالة اكتئاب صعبة لمدة شهر، لهول ما رأيت. هناك أسرى يتألّمون ويصرخون، وهناك من لا يستطيع الأكل بنفسه، وهناك من يعيش على الأجهزة، فيما المكان قذرٌ وغير نظيف. أما بالنسبة إلى الحالات الطارئة، مثل نوبة قلبية أو عملية جراحية أو كسر في العظام أو حريق أو أي إصابة طارئة قد يتعرّض لها أحد الأسرى، فيُنقل على إثرها إلى أحد مستشفيات الاحتلال بحراسة مشدّدة، مقيّد اليدين والرجلين. وأما من يحتاج إلى صورة أشعة أو فحص متقدّم، فلينتظر! أحد الأسرى تقدّم بطلب للخروج إلى المستشفى لإجراء فحوصات معينة، فتمّت الاستجابة لطلبه بعد 10 أشهر، بعدما كان قد تحرّر من السجن.
يُنقل الأسرى إلى المستشفى في «البوسطة اللعينة»، أو كما نسمّيها «صندوق الموت»، التي هي أبرد من جبل الشيخ في الشتاء، وأحرّ من الغابات الاستوائية في الصيف: مقاعد حديدية ضيّقة، تخرج منها رائحة الصدأ، صوت محرّكها يضرب في رأسك كمطرقة، مكبّل اليدين والقدمين، وإذا أردت قضاء حاجتك فلتقضها على نفسك، ذلك أنها لن تتوقف إلا في السجن الذي ينقلونك إليه، أو المستشفى. في إحدى المرّات التي ذهبت فيها إلى المحكمة، نزلت من بوسطة أخرى إحدى الأسيرات الفتيات، التي لا يتجاوز عمرها 16 عاماً، وقد بدت بقعة دم على ملابسها، ولكم أن تتخيّلوا حجم الألم الذي واجهته هذه الطفلة: سجنٌ وحرمان من طفولة وبرد قارس، وتعب وسفر لأكثر من يومين من سجنها إلى قاعة المحكمة، وآلام دورة شهرية باغتتها أثناء التنقل... نعم لا فوط صحية، فالأسيرات يحرَمن من هذه الحاجة بين الفترة والأخرى، ولا يحصلن على الفوط الصحية إلا من خلال «الكنتينة»، وفي فترات متباعدة، فضلاً عن المعاملة الطبية السيئة جداً التي تتلقاها الأسيرات، والأسيرة المناضلة إسراء الجعابيص شاهد واضح وجلي أمام العالم كلّه على هذه المعاملة.
عيادات السجن والأدوية المقدمة للأسرى، لا ترقى إلى المستوى الأدنى للعناية المطلوبة. والأطباء متعاونون تماماً مع أجهزة الأمن وتعليماتها، فمن يرفض ذلك، وهم قلّة، يُصرف من العمل. الأسير قسّام البرغوثي، مثلاً، قبل أشهر قليلة، وعند اعتقاله، قام كلب تابع لوحدة الكلاب في جيش الاحتلال بنهش فخذه، وفي أثناء التحقيق معه وتعذيبه بأبشع الأساليب، كان محقّقو «الشاباك» يضغطون على جرحه الذي فُتح ثلاث مرّات، بينما يقف طبيب السجن مشرفاً على تعذيبه، لكي يصل إلى مرحلة ما قبل الموت بإشراف طبي.
أما الأسير، والشهيد غسان عباس الريماوي، وقد كنت شاهداً على ذلك في عام 2010، فقد أصيب بالسرطان، أثناء اعتقاله. كانت أرواحنا تتقطع بفعل أنّاته وصراخه وجعاً في ليالي السجن القذرة، ولم تقدم له الإدارة سوى المسكّنات التي لا تُجدي نفعاً مع هذا المرض اللعين... تُرك غسان مريضاً من دون أي رعاية أو اهتمام، حتى أُفرج عنه ليموت بعيداً عن سجون القهر.

أكياس سوداء تنهش رأسي
منذ اللحظة الأولى التي سمعت فيها قرار الحكومة الفلسطينية بإعلان حالة الطوارئ في فلسطين، كإجراء وقائي لمواجهة انتشار وباء «كورونا»، شعرت بأن الأمور أصبحت أكثر جديّة، وأنها لن تتوقف عند حدود مكان واحد؛ فالعالم كلّه قد أصبح في دائرة الخطر. هنا، بدأت فكرة الكيس الأسود تنهش رأسي، وأخذت صور رفاق الأسر ممّن تركتهم خلفي، وممّن اعتقلوا لاحقاً، تلوح أمام عيني! وفي كل يوم أشكر الله على أن لا مكروه قد أصاب أحدهم.
حالات كثيرة لن تتمكن قواميس الأرض مجتمعة من التعبير عن حجم معاناتها، تموت في كلّ يوم ألف مرة من آلامها. أكثر من ألف يسوعٍ مسيحٍ في باستيلات العدو الصهيوني، يصرخون ويتألّمون ولا مجيب، إلّا سجانٌ واحد ربما يأتيهم بحبة «بانادول»... لنتخيّل، حجر إجباري بكلّ التفاصيل التي أوردت، وآلامٌ بهذا الحجم، وفي خطوة تصعيدية فاشية، تقوم إدارة مصلحة السجون بمصادرة أكثر من 150 صنفاً من رفوف «الكنتينة»، من ضمنها مواد تنظيف وتعقيم.
كيف سيواجه الأسرى والأسيرات الـ«كورونا»؟! الأسرى في خطر حقيقي وجدّي، والتحرّك يجب أن يكون سريعاً، حتى لا نرى أكياساً سوداء تخرج من أبواب سجون العدو.

* أسير فلسطيني محرّر