لا يمكن للرئيس الأميركي دونالد ترامب تحمّل ثقل مواجهة تفشّي فيروس «كورونا» في بلاده، من دون أن يضع طرفاً آخر في الواجهة، في محاولة لإزاحة المسؤولية عن إدارته، في ظل التخبّط المستمر في التعامل مع هذا الوباء. منذ بداية الأزمة، كانت الصين هدف هجماته المتتالية، إن عبر اتّهامها بعدم الشفافية، أو بوضع اللوم عليها لكون هذا الوباء انطلق من أراضيها. أول من أمس، انتقل الرئيس الأميركي إلى مرحلة جديدة من الهجوم، متّهماً منظمة الصحة العالمية بأنها قريبة من الصين، وبسوء إدارتها للأزمة، وملوّحاً بقطع التمويل عن المنظمة. تلويح لم يلبث أن تراجع عنه، إلّا أنه دفع المدير العام للمنظمة تيدروس أهانوم غيبريسوس إلى الردّ، أمس، مطالباً بـ«عدم تسييس» وباء «كوفيد-19». وفي مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، قال غيبريسوس: «لديكم العديد من الوسائل الأخرى من أجل إثبات النفس (...) رجاء، ضعوا تسييس كوفيد في الحجر الصحي». وشدّد على أنّه «يتوجب على الولايات المتحدة والصين الاتحاد لمواجهة هذا العدو الخطر»، متمنياً ألا «نواصل اللعب بالنار»، في مواجهة فيروس يتفشى «بشكل مطّرد»، في وقت تقترب فيه حصيلة الوفيات في العالم من عتبة المئة ألف.

وانضم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للدفاع عن منظمة الصحة العالمية، مصرّحاً بأنّ الوقت «لم يحن» لاستخلاص الدروس حول تعاملها مع تفشي الوباء، ودعا إلى «الاتحاد»، في انتقاد مبطّن إلى ترامب. ونقل المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك عنه، أنّ «الآن هو وقت الاتحاد، والعمل سوياً في تضامن لوقف الفيروس».
وكان ترامب انتقد قرار المنظمة بمعارضة إغلاق الحدود أمام الأشخاص الآتين من الصين في بداية تفشي الوباء. وقال، في مؤتمره الصحافي اليومي: «سنعلّق (دفع) الأموال المخصّصة لمنظّمة الصحّة العالمية». غير أنّه ما لبث، بعد دقائق، أن تراجع بقوله إنّه لم يقرّر تعليق الدفع بل يعتزم فقط درس هذه الإمكانية. وأشار إلى أن المنظّمة «تبدو منحازة للغاية نحو الصين». وهو كان قد استبق ذلك، بهجوم على المنظمة عبر «تويتر»، لأنّها «أخفقت حقاً. الغريب أنّها مموّلة بشكل كبير من الولايات المتحدة، لكنّ تركيزها منصبّ على الصين».
وجاء هجوم ترامب على المنظمة في وقت تخطّت فيه حصيلة وفيات الوباء في الولايات المتحدة 14 ألفاً، وعدد المصابين أكثر من 418 ألفاً. وسجّلت ولاية نيويورك، أمس، أعلى حصيلة يومية للوفيات (779) في غضون 24 ساعة.
في هذه الأثناء، أفادت صحيفة «واشنطن بوست» بأن «كورونا» يصيب ويقتل الأميركيين من أصول أفريقية بمعدل مرتفع ومثير للقلق، وفقاً لتحليل أجرته بناءً على البيانات الأولى من مختلف أنحاء الولايات المتحدة. ويشير تحليل البيانات إلى أنّ المقاطعات ذات الغالبية السوداء، لديها ثلاثة أضعاف معدّل الإصابة، وحوالى ستة أضعاف معدّل الوفيات من المقاطعات ذات الغالبية من البيض. ففي ميلوكي، مثلاً، يمثّل الأميركيون من أصول أفريقية 70% من الوفيات، فيما هم يشكّلون 26% فقط من السكان. وفي لويزيانا، كان 70% من الوفيات بين السود رغم أنهم يمثّلون 32% فقط من السكان. وفي ميشيغان، وهي أكثر الولايات تضرراً بعد نيويورك ونيوجيرسي، يمثّل الأميركيون الأفارقة 33% من حالات الإصابة، وحوالى 40% من الوفيات، رغم أنّهم يمثّلون 14% فقط من السكان.

منظمة الصحة: يتوجّب على الولايات المتحدة والصين الاتحاد لمواجهة هذا العدو الخطر


وقد اعترف ترامب، لأول مرة، بالتفاوت العرقي، في الإحاطة اليومية التي قدّمها أول من أمس. وقال: «إننا نفعل كل ما وسعنا من أجل التعامل مع هذا التحدي، إنه تحدٍّ هائل ومروّع». وتساءل: «لماذا العدد أكثر بثلاث أو أربع مرّات بين الأميركيين السود، مقارنة ببقية السكان؟».
وفي الإطار ذاته، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأنّ «موجة جديدة من حالات الإصابة بفيروس كورونا تنتشر بشكل عميق في المناطق الريفية، حيث كان الناس يأملون بأن مجتمعاتهم قد تكون محصّنة، بسبب عزلتهم عن المراكز الحضرية المتضرّرة بشدة، وبسبب التباعد الاجتماعي الطبيعي للحياة في الريف». وأوضحت الصحيفة أن الفيروس وصل إلى أكثر من ثلثَي المقاطعات الريفية في البلاد، مشيرة إلى أنّ «موجة المرض القادمة يمكن أن تُنهك المجتمعات الريفية، وهي أكبر سناً وأكثر فقراً ومرضاً من معظم أنحاء البلاد».
( أ ف ب، رويترز)