كل شيء في العالم كان يشي بأن المستقبل هو لـ«المولات» والمجمّعات التجارية ومحالّ السوبرماركت التي ابتلعت المتاجر الصغيرة والدكاكين. كان هذا قبل «كورونا»، والتغيرات الهائلة التي فرضها الفيروس في كل المجالات، والتي ــــ للمفارقة ــــ ساهمت في ضخ الحياة الاقتصاديّة من جديد في أحياء وأزقة همّشها التوسع المدني المتفلّت من أي ضوابط.

فجأة، عاد «الدكنجي» الى الحضور بقوة. صحيح أن «الدكاكين» لم تصبح فعلياً ظاهرة من زمنٍ غابر، ولا تزال حاضرة بكثرة في مختلف المناطق وفي قلب المدن، إلا أن أغلبها ــــ وخصوصاً الواقعة على مقربة من الاستهلاكيات الكبرى ــــ بقيت تعمل بالحد الأدنى، لضعف قدرتها على المنافسة، ما جعلها تعتمد أساساً على «الأوفياء» من الزبائن.
يكشف نقيب أصحاب محال الـ«سوبرماركت» نبيل فهد أن أعمال هذه الأخيرة «تراجعت بنسبة 20%» منذ بدء تطبيق قرار التعبئة العامة، وأن 90% من الزبائن يقومون بمشتريات كبيرة تغنيهم عن المجيء لأسبوع أو أكثر. ولفت الى «أن انخفاض ساعات العمل وإجراءات الوقاية المتّبعة باتت تخلق اكتظاظاً كبيراً نظراً إلى كوننا ندخل الزبائن واحداً واحداً». وهو ما أدى الى عزوف كثيرين عن التعاونيات الكبرى لمصلحة الدكاكين الصغيرة التي باتت تشهد إقبالاً لم تعرفه منذ مدة طويلة لزبائن «لم يكونوا يقصدوننا إلا على القَطْعة» وفق صاحب إحدى الدكاكين.
تقييد الحركة وتحديد سير السيارات والشاحنات والدراجات النارية حسب أرقام اللوحات زادا الإقبال على الدكاكين، ناهيك عن أن التنوع الكبير في السلع والمنتجات، وخصوصاً المستوردة منها التي توفرها محال السوبرماركت، والتي كانت تشكل أحد أبرز عوامل جذب المستهلكين، تحولت بحكم الأزمة الاقتصادية إلى عامل جذب للدكاكين. بحسب فهد، فإن «الكثير من المنتجات والأصناف الأساسية وغير الأساسية بدأت تُفقد من الأسواق لأن المستوردين توقفوا عن استيرادها نظراً إلى ارتفاع أسعارها بسبب أزمة الدولار، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب عليها، وأيضاً بحكم توقف بعض المصانع في الخارج عن العمل كلياً أو جزئياً، وخصوصاً في الدول المتضررة بشدة من وباء كورونا مثل إيطاليا وإسبانيا والصين وغيرها.

التعبئة وإمكان الاستدانة زادا الإقبال على الدكاكين الصغيرة


في ضوء ذلك، وجد كثير من المستهلكين ضالّتهم في الدكاكين، إما لانخفاض قدرتهم الشرائية واكتفائهم بالمنتجات الأساسية التي توفرها المحالّ الصغيرة، وإما لأن النقص المستمر في الكثير من السلع وارتفاع أسعار المستوردة منها بشكل جنوني ما عاد يميّز السوبرماركت عن الدكان للكثيرين.
كذلك ساهم انتقال أعداد كبيرة من المواطنين إلى قراهم في رفع الإقبال على الدكاكين التي تعدّ الخيار الوحيد المتاح في الكثير من المناطق الريفية والنائية، ناهيك عن عامل إضافي فرضته الأزمة الاقتصادية وهو إمكانية الشراء «على الدفتر» من الدكان لمن لم يعودوا قادرين على الدفع «كاش» في الاستهلاكيات الكبرى!