تعيش السعودية وضعاً معقّداً منذ أن بدأ فيروس «كورونا» يتفشى في المملكة. صحيح أن هذه حال معظم بلدان العالم اليوم، لكن الأزمة في السعودية مضاعفة لجملة أسباب، أهمها: حرب اليمن، حرب أسعار النفط، توقف رحلات العمرة، وكثرة أعداد الوافدين الأجانب.

في وقت مبكر، سارعت الرياض إلى اتخاذ قرار بإغلاق الحرمين (مكة والمدينة) وإيقاف رحلات العمرة الى أجل غير مسمى. القرار الذي بدا احترازياً، وقتها، سرعان ما دارت شكوك حوله مع إعلان بلدان تسجيل إصابات في صفوف المعتمرين العائدين، لتطرح أسئلة حول تكتّم السلطات السعودية وجديّة إجراءاتها. ولم يكن قرار إغلاق الحرمين سهلاً على الرياض، فقد واجه انتقادات شعبية في الداخل والخارج، وتشكيكاً في الشرعية الدينية للقرار، إذ يعد التعليق بشكله الحالي سابقة تاريخية بدأت بإثارة جدل فقهي. وسرت حينها شائعة تقول إن الأمير المعتقل بتهمة محاولة الانقلاب، أحمد بن عبد العزيز، كان من بين من جاهروا بالاعتراض على القرار. وقبل أيام، أبلغت السعودية بلدان العالم الإسلامي بضرورة التريّث في إبرام عقود الحج لموسم هذا العام، قبل اتخاذ القرار النهائي بالتعليق من عدمه. قرار تعليق الحج، الذي يثير حساسية عاطفية لدى المؤمنين الذين لم يعايشوا تجربة مماثلة له في التاريخ القريب ولم يسمعوا عن إغلاق مشابه في الأزمنة السابقة، بات مرجّحاً أكثر. فالمسافة الزمنية الفاصلة عن بدء الرحلات المعتادة لا تتعدى ثلاثة أشهر، وهي تحتاج إلى إجراءات تنظيم وحجز تسبقها بأسابيع طويلة.
مطلع هذا الأسبوع، دخلت السعودية في إجراءات صارمة، بالتزامن مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في الإصابات. فأعلنت وزارة الداخلية فرض حظر تجول شامل في العاصمة وغالبية المدن والمناطق، والتشدّد في السماح بالتنقّل وإغلاق الأنشطة التجارية.
خلفية الإجراءات المتشددة بدت مبررة، على أساس الدراسات التي كشفت عنها وزارة الصحة، وفيها توقّع إمكانية بلوغ الإصابات 200 ألف في الأسابيع المقبلة، وهو ما يعدّ رقماً مهولاً نسبة إلى عدد سكان المملكة.
وفي تحديثها اليومي، أعلنت وزارة الصحة السعودية، أمس، تسجيل 355 إصابة جديدة بالفيروس، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 3287، فيما سجّل إجمالي الوفيات 44 حالة.

بدأت السعودية إجراءات صارمة بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في الإصابات


ورغم أن الرحلات المباشرة بين السعودية وإيران كانت متوقفة، فإن الرياض وجدت في تسجيل إصابات في صفوف مواطنيها العائدين من إيران، عبر الدول الخليجية المجاورة، فرصة لشن هجوم على طهران وتحميلها المسؤولية، وهو ما رأت فيه الأخيرة تسييساً غير مبرر لأزمة الوباء. وبعد توالي الإصابات القادمة مباشرة من دول عربية وغربية، بينها دول لم تعلّق السعودية رحلاتها معها وقتها، ظهر الاختلاف في مقاربة المملكة لهذه الإصابات عن قضية العائدين من إيران عبر دول وسيطة.
تلك كانت أولى الإصابات المعلنة في المملكة. لكن الرواية السعودية الرسمية سرعان ما تعرّضت للاهتزاز وفتحت باب التشكيك والاتهامات بالتكتّم، إذ إن تركيا أعلنت ظهور مصابين بالوباء بين العائدين من العمرة واضطرارها إلى فرض حجر صحي على الآلاف منهم. كما اتهمت وزارة الداخلية التركية السلطات السعودية بأنها لم تبلغ أنقرة ولا دول العالم الأخرى بوجود إصابات بين المعتمرين. الاتهامات التركية واجهها الإعلام السعودي بحملة شرسة، ووضعها في إطار تصفية الحسابات على خلفية العلاقات المتوترة بين البلدين. إلا أن ذلك كان ليبدو معقولاً لولا إعلان بلدان صديقة، مثل مصر، تسجيلها هي الأخرى إصابات بين المعتمرين العائدين من السعودية.

«كورونا» والنفط
تقاطع عند أزمة النفط عدد من العوامل، أحدها انخفاض الطلب بسبب إجراءات الإغلاق في الدول المستوردة، الأمر الذي هزّ الأسواق بداية. ومع انطلاق الحرب النفطية التي لم تتوان الرياض عن مغامرة خوضها رغم خطورة الوضع المستجد، تأثرت الموازنة السعودية بالانهيار التاريخي للأسعار، ما اضطرها إلى تخفيض نفقات موازنة 2020 بنحو 13.3 مليار دولار. ورغم أن الخفض لا يتجاوز 5% من النفقات، إلا أن المخاطر على المدى الأبعد بدأت تلوح في الأفق، كما توقّعت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، إذ تحدّثت عن احتمال ارتفاع عجز الموازنة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 12%، أي ما يقارب 80 مليار دولار، وتراجع الأصول الأجنبية السيادية إلى 68% بحلول 2021، فيما نقلت وكالة «رويترز» عن خبراء توقّعاتهم أن يصل عجز الموازنة إلى 22% (على سعر 30 دولاراً للبرميل) في ظل اضطرار السعودية إلى إنفاق عشرات المليارات لدعم اقتصادها. ما تقدّم لا يؤثر، بالتأكيد، على المناعة الاقتصادية للمملكة، لناحية اتخاذ إجراءات الإغلاق وتحمّل تبعات مواجهة «كورونا» حتى أمد بعيد، مقارنة بكثير من الدول.
وبعد أسابيع من الأزمة، استدركت الرياض أمس الضغط الناجم عن الحرب على اليمن لتستغل دعوة الأمم المتحدة إلى الهدنة بإعلان وقف إطلاق نار، أتى من الطرف السعودي منفرداً وقبل أن تقتنع صنعاء بالدعوة، في إعلان يكشف جسامة التحدي الذي تواجهه المملكة.



«كورونا» يتفشّى بين أمراء الأسرة الحاكمة
التطوّر الأكثر دراماتيكية خرج، أول من أمس، مع الأنباء المسرّبة عن تفشّي الوباء في صفوف الأسرة المالكة، إذ أكد تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، نقلاً عن مقرّب من الأسرة، إصابة 150 أميراً من الأسرة الحاكمة بالفيروس، من بينهم أمير الرياض فيصل بن بندر بن عبد العزيز الموجود في العناية المركزة. وفيما نشر الأمير فهد بن مصعب، ردّاً على الخبر، صورة لفيصل مؤكداً أنه «في منزله وبصحة جيدة»، عزل الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد نفسيهما قرب البحر الأحمر، الأول داخل قصر في إحدى الجزر، والثاني في منطقة نائية قريبة من البحر.
امتيازات العزل التي يحصل عليها الأمراء تنسحب كذلك على إجراءات العلاج، إذ اطلعت الصحيفة الأميركية على رسالة موجهة من إدارة مستشفى «الملك فيصل» التخصّصي الى الأطباء تطلب منهم إجلاء المرضى الحاليين في أسرع وقت ممكن، وتجهيز 500 سرير، لإفساح المجال أمام تقديم العلاج لأفراد العائلة الحاكمة. وبحسب الرسالة، يقبع في المستشفى المذكور عدد من الأمراء المصابين.