دخل الوباء البازار الانتخابي، وبات المشهد محسوماً، واللاعبون معروفين: دونالد ترامب وجو بايدن... و«كوفيد-19» الذي سيحدّد وجهة الانتخابات العامة المقرّر إجراوها في الثالث من تشرين الثاني المقبل. سبعة أشهر، ستتضّح خلالها المعالم، أكثر فأكثر، وسيرفع الفيروس من شأن هذا على حساب ذاك. وبما أنّ أياً من المرشّحَين لن يكون بمنأى عن الأزمة المستفحلة في الولايات المتحدة، فقد بدأت المعركة تتحضّر، ومعالمها ترتسم، انطلاقاً من مخاوف وهواجس كثيرة، منها الشخصي، والحزبي، والتشريعي، والصحي...

بالنسبة إلى بايدن، إنها انتخابات العمر لرجل سبعيني كان قد ترشّح مرّتين من دون أن يكمل مشواره الانتخابي. وها هو قد بات بحكم المرشح الرسمي للحزب الديموقراطي، بعدما أهداه بيرني ساندرز اللحظة المنشودة، أول من أمس، بإعلانه الانسحاب من السباق التمهيدي. ولكن في عالم «كورونا»، بايدن لا يحارب، بل حُرم جزءاً مهماً من اللعبة، أي الاستعراض والتجمّعات الانتخابية، وأصبح شغله الشاغل السعي إلى التأثير على الناخبين، من خلال الظهور عبر الإنترنت، للتحدّث عن الوباء. في هذا العالم، يتنافس بايدن على لفت الأنظار، ليس فقط مع ترامب، ولكن مع الحكام الديموقراطيين البارزين، مثل غافين نيوسوم في كاليفورنيا، وأندرو كومو في نيويورك، وغريتشين ويتمان في ميشيغان، الذين - على عكسه - يخوضون غمار المواجهة المباشرة مع الفيروس. وفي هذا العالم، فرض «كورونا» شروط اللعبة، وضيّق نطاق المسائل التي يمكن لبايدن وللديموقراطيين استغلالها من أجل إلقاء الضوء على التباينات مع ترامب، ما يعني تهميشاً مؤقتاً لأجندة أوسع تتضمّن ملحّة، مثل تغيّر المناخ والسيطرة على السلاح...
ولكن المثير للانتباه أن بايدن، في هذا العالم الجديد، يسبق ترامب في استطلاعات الرأي الأخيرة. عاملُ يمكن أن يبنى عليه، على أمل أن لا تعود حظوظ الرئيس الجمهوري للارتفاع، مع تقدّم الوقت، وانحسار الوباء، بالتوازي مع استئناف الحياة الاقتصادية.
بالنسبة إلى الرئيس الجمهوري المعركة بدأت. ها هو يصدّ باباً هنا، ويغلق سرداباً هناك، قد يؤدّي إلى غلبة ما للديموقراطيين. تحرّكت المياه الراكدة تحت قدميه، بمجرّد أن وُضعت سيناريوات المرحلة الانتخابية المقبلة. في أفضلها، يستقر الوباء خلال الصيف، وتُجري البلاد انتخابات عادية نسبياً في تشرين الثاني، قد تحمل نتائج قاسية على ترامب الذي يواجه انتقادات كثيرة بسبب سوء أداء إدارته، خلال أزمة «كورونا». وفي أسوئها، ستكون هناك محاولات لتأجيل التصويت، وبدء دعاوى متقابلة وأزمة دستورية.
في الاحتمال الأول، يواجه ترامب الكثير من السيناريوات، أيضاً، أوّلها أنّ الوباء سيقلّص آفاق إعادة انتخابه، مع ارتفاع حصيلة القتلى وتأثيره المدمّر على الاقتصاد. بل إنّ تطميناته المستمرّة بشأن الوباء، في البداية، وتأكيده أن كل شيء سيكون على ما يرام، ساهم في انتقال الفيروس في اتجاه الولايات الجنوبية الريفية والمركزية التي تشكّل معقلاً لقاعدته الانتخابية، بعدما ضرب المراكز الحضرية العالية الكثافة التي يسيطر عليها الديموقراطيون، في سان فرانسيسكو وسياتل، ثم نيويورك ونيوجيرسي وديترويت. الحقيقة تقول إن العديد من الولايات ذات الغالبية الجمهورية اتّبعت تعليمات ترامب، وشبكة «فوكس نيوز»، وظلّت مرتاحة في وجه التهديد، تتحرّك ببطء من دون وضع أي ضوابط. فلوريدا مثال على ذلك، وهي بقيادة حاكمها الجمهوري، رون ديسانتيس، ردّدت نهج الرئيس، وفرضت أمراً بالبقاء في المنزل، منذ فترة بسيطة، على الرغم من وجود عدد كبير من الإصابات. حذت حذوها جورجيا والمسيسيبي، كما نورث كارولينا وأوكلاهوما، اللتين لم تصدرا أوامر إلزامية للبقاء في المنزل، إلا في وقت متأخّر.

تأجيل الانتخابات؟
وسط هذه التطورات والاضطراب غير المسبوق، وانهيار الأسواق المالية، والاستجابة المفكّكة من قبل البيت الأبيض، تساءل بعض منتقدي ترامب عمّا إذا كان يحاول اغتنام الفرصة من أجل تأجيل، أو حتى إلغاء الانتخابات العامة. الإجابات جاءت واضحة على السؤالين، وهي تقول إنه لا يمكن للرئيس أن يتخذ قراراً كهذا من جانب واحد، حتى ولو كان ذلك بناء على معايير الطوارئ الوطنية أو إعلان الكوارث، أو حتى إذا أعلن الأحكام العرفية. بل أكثر من ذلك، فإن تغيير موعد الانتخابات سيتطلّب تغيير القانون الاتحادي، الذي وُضع عام 1845، والذي تُحدّد مواعيد التصويت على أساسه. وهذا يعني سنّ تشريع من قبل الكونغرس، يوقع عليه ترامب، وسيكون قابلاً للطعن في المحاكم. وحتى إذا حدث كل ذلك، فلن يكون هناك الكثير من المرونة في اختيار موعد بديل للانتخابات، إذ ينص الدستور على وجوب أداء الكونغرس الجديد اليمين الدستورية في 3 كانون الثاني، على أن تبدأ فترة ولاية الرئيس الجديد في 20 كانون الثاني، وهما تاريخان لا يمكن تغييرهما بمجرّد تمرير التشريعات العادية.

انفتح الباب على معركة جديدة بين الديموقراطيين والجمهوريين قوامها تغيير طريقة الاقتراع


ونظراً إلى تعقيد المسألة، انفتح الباب على معركة جديدة بين الديموقراطيين والجمهوريين، قوامها تغيير طريقة الاقتراع، في جميع الولايات الخمسين. طالب مشروع قانون مجلس النواب الديموقراطي جميع الولايات أن تقدّم التصويت 15 يوماً، وأن توفّر اقتراعات عبر البريد، في كل الولايات، وهو ما أوصى به الخبراء الصحيون، على اعتبار أنها الطريقة الأسلم في حال استمر انتشار الوباء. إلا أنّ ترامب وحلفاءه الجمهوريين أطلقوا استراتيجية قوية لمحاربة هذا الاقتراح، متذرّعين باحتمال تزوير الانتخابات، الأمر الذي يعدّ نادراً للغاية في الولايات المتحدة.
في هذا السيناريو، يبدو من الواضح أن الجهد السياسي الجديد يهدف إلى مساعدة ترامب في إعادة انتخابه، وأبلغ تعبير على ذلك، قوله إنه عبر التصويت المبكر والاقتراع عبر البريد، «لن يكون هناك جمهوريٌ منتخبٌ في هذه البلاد مرة أخرى». بحسب صحيفة «ذي نيويورك تايمز»، يعبّر هذا الأمر عن خوف جمهوري من الفشل أمام الديموقراطيين، وهو ما يتماشى مع الدفع للحد من خيارات التصويت، بهدف فرض قيود تؤثر، بشكل غير متناسب، على الناخبين السود واللاتين، والفقراء، والشباب، والذين يعدّون جزءاً كبيراً من قاعدة الديموقراطيين الانتخابية. ترامب كان قد أعلن أنه قد يسمح لكبار السن بالاقتراع عبر البريد، وهو يدرك أنّ هذه الفئة العمرية تشكّل جزءاً كبيراً من قاعدته الانتخابية. لذا، هل يغيّر موقفه في حال وجد أن أكثرية ناخبيه ميّالون لخيار «الاقتراع عن بعد»؟ بحسب مستشاريه، هو لم يتخذ قراره النهائي، ولكن بما أن 80 في المئة من الأميركيين مع استمرار إجراءات التباعد الاجتماعي، فقد تكون الأيام كفيلة بتغيير موقفه.