تُعدّ اللبنة من المنتجات القليلة التي ترافق اللبناني غذائياً وثقافياً في كلّ مراحل حياته، في الوطن والمهجر. بخلاف الحمّص المتبّل، الذي لا يمتاز المطبخ اللبناني فيه وحده، ولا تكلّ المؤسسة الإسرائيلية من محاولات خطفه، هناك «صفاء لبناني» يميز اللبنة، برغم المحاولات الإسرائيلية لتسويق «الكيفير» كبديل عنها. بنكهاتها ووصفات إعدادها المختلفة، تؤدي دور المازة، الوجبة الكاملة وحتّى كمكوّن في بعض الأطباق. هي نفسها على مائدتي الفقير والغني، في الاطباق المحنكة وداخل شطائر طلاب المدارس الجائعين.

الطلب على اللبنة في السوق اللبنانية كبير، لدرجة أنّ شركة أجبان وألبان سعودية جعلتها ضمن خطها الإنتاجي الأساسي.
ولكن الصورة ليست بالنقاوة التي تبدو عليها. أخيراً اكتشفنا أنّ المضادات الحيوية تُستخدم بكميات في إنتاج اللبنة، بما يخالف المواصفة الإلزامية الصادرة عن مؤسسة المقاييس والمواصفات. صراحةً، الاكتشاف لم يكن صادماً.

جميعنا يعي مستوى تقصير الرقابة على إنتاج المواد الغذائية، لدرجة أنّ الفضائح أضحت، تماماً كالحليب الذي يصل إلى معامل الألبان والأجبان، وجبة يومية!
في موقف الدفاع عن إحدى الشركتين المتهمتين بمخالفة المعايير - وعن المادّة المثيرة للجدل - قال أحد «الخبراء»: لا مشكلة ابداً في استهلاك الـNatamycin. تساءل: كيف تكون خطيرة ومسموح باستخدامها في قطرات العين ولعلاج الفطريات الجلدية؟
السؤال الاعتراضي المباشر لهذه الفذلكة التجارية المحضة، هو التالي: يُستخدم الزئبق في الكثير من مستحضرات التجميل والكريمات الخاصة بالبشرة، دعونا إذاً نُصدر دستوراً غذائياً لبنانياً يحلّل استخدام هذا المعدن بكلّ سلاسة وأمان في إنتاج الغذاء!
لكن دعونا من الجدال الذي حسمه أخيراً وزير الصناعة حسين الحاج حسن. الاكيد هو أنّه إذا لم تكن الرقابة حاضرة بقوّة لحماية المجتمع، فلا يُمكن تجنّب خرق المعايير الصحية والاخلاقية في أي حلقة إنتاج قائمة في أي مجتمع. ولبنان ليس حالة خاصّة على هذا الصعيد: فضيحة لحوم الأحصنة في أوروبا لا تزال طازجة؛ في كندا يجري منذ يومين سحب منتجات دجاج ومعجنات لتعرضها لبكتيريا «ليستيريا».
السبب هو انّ رأس المال يسعى دوماً ومن دون كلل إلى تقزيم الأكلاف بأكبر قدر ممكن، وإن كان ذلك عبر معالجة منتجات الحليب – التي هي للمناسبة من بين الأكثر حساسيّة للجهاز الهضمي البشري – بمضادات حيوية أو أي مواد أخرى.
لبنانياً، أضحى جلياً أنّه مسموح لرأس المال، الذي عادةً ما يكون مدعوماً سياسياً، بأن يسرح ويمرح كما يحلو له. لهذه الفوضى أسباب عديدة وشائكة: من جهة، هناك تدهور المقومات المؤسساتية لسلطات الرقابة، ومن جهة أخرى، يظهر في بعض الأحيان تسليم شعبي بحتمية الفوضى نفسها.


كلما توسّعت الأسواق التجارية ذابت سلطة الرقابة وهي أساساً تعاني على صعيد النوعية


وتماماً كما تشهد البلاد بين الفينة والأخرى، وعلى خلفية أحداث أو حسابات معينة، فورات في مجال الأمن أو «تعزيز الشفافية»، يُمكن أن تشهد انتفاضة مؤسساتية لمكافحة تلك الفوضى الغذائية السائدة في السوق. آخر الفورات كانت عندما تناولت إحدى سيدات المجتمع السياسي الطعام في أفخم فنادق البلاد، وعلى أثر التجربة انتكس جهازها الهضمي. هاجت البلاد بسبب الفضيحة. وبنتيجة الهيجان اكتشف اللبنانيون أنهم، منذ زمن طويل، يأكلون اللحوم والغذاء الفاسد المخبأ وراء جدران سحرية.
المفاجأة الأكبر أخيراً كانت الإفراج عن التجار الذين كشفتهم التحقيقات وألقي القبض عليهم في مداهمات تلفزيونية؛ كان هؤلاء يعلمون جيداً أنّ العقاب لن يكون بحجم الجريمة. عادوا إلى تغذية المجتمع نفسه الذي لا يبدو أنّ استهلاكه للمنتجات الغذائية يتأثّر بالفضائح.
إنه اتحاد الجوع واليأس من القدرة على الرقابة والتغيير، الذي يروّض مجتمعاً بأكمله ضدّ مصالحه الغذائية.
هناك مؤشرات كثيرة على علاقة المستهلك اللبناني القوية بالغذاء. بحسب تقديرات شركة الأبحاث الاقتصادية والمالية، BMI، فإنّ الإنفاق على الغذاء في لبنان سيرتفع بنسبة 4.3% هذا العام، وسيُسجّل معدّل نموّ سنوي مركّب يبلغ 3.9% بين عام 2014 و2017.
هذا الارتفاع لا يرتبط فقط باللجوء السوري إلى لبنان، لأنّ إنفاق الفرد الواحد على الغذاء سيُسجّل أيضاً ارتفاعاً خلال الفترة المذكورة.
هكذا سيتخطّى الإنفاق على المنتجات الغذائية عتبة ثمانية مليارات دولار هذا العام، وذلك للمرة الأولى على الإطلاق، على أن يقفز فوق عشرة مليارات دولار بعد ثلاثة أعوام.
يفيد تحليل الشركة عن السوق اللبنانية، بأنّ الاستثمارات في الصناعات الغذائية وفي شركات التجزئة المختصة بالمنتجات الغذائية، ستزيد خلال السنوات المقبلة، وذلك لملاقاة الطلب المتعاظم على المنتجات الغذائية المصنّعة – مثل اللحوم المجلّدة – في إطار تحولات اجتماعية، أبرزها ارتفاع مشاركة المرأة في قوّة العمل.
ستنشأ عن تلك الاستثمارات مساحات أكثر تنوعاً وغنى لتسوّق المنتجات الغذائية. صحيح أنّ الاوضاع الأمنية، السياسية والاقتصادية تُخيف اللاعبين الجدد، إلا أنّ الشركات الموجودة أساساً في السوق ستعمد إلى تعزيز وجودها عبر زيادة الفروع وتنويع الخدمات، لكن تماماً كما تضيع حقوق موظفي تلك الشركات في عاصفة التوسّع والطمع بأرباج إضافية – كما حصل مع موظفي شركة «سبينس» – من المتوقع أن يتراجع أداء الرقابة إذا لم تواكب المؤسسات توسع التجار وحنكتهم: كلما توسّعت الأسواق التجارية ذابت سلطة الرقابة، من حيث العديد، وهي أساساً تعاني على صعيد النوعية والإنتاجية.
باختصار، سوق الغذاء مثيرة للعاب التجار. طبعاً ليس كلّ الصناعيين تجار دم، لكن التاجر، وفقاً للتعريف العلمي والفعلي، يرمي إلى تعظيم ربحه في كلّ لحظة متاحة. وعندما تغيب الرقابة أو تغض الطرف، تكثر تلك اللحظات وتُستغل على نحو مخالف للقانون.


يمكنكم متابعة حسن شقراني عبر تويتر | @HassanChakrani