مع بدء انهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار، شجّعت جهات عدة، رسمية وأهلية، على العودة إلى الزراعة لتحقيق الأمن الغذائي ذاتياً. الدعوات تركّزت على تشجيع زراعة القمح الذي يستورد لبنان حوالى 85 في المئة من حاجته منه. الجنوبيون الذين استجابوا لدعوات العودة «إلى الأرض»، شأنهم شأن أبناء بقية المناطق، لم تغرهم زراعة القمح كثيراً لأسباب عدة، أبرزها قلة المساحات الزراعية بخلاف مناطق البقاع، مثلاً، وارتباط كثيرين منهم بزراعة التبغ، ناهيك بأن الدولة تشتري كيلو القمح الحبّ بأقل من 500 ليرة. أضف إلى ذلك أن قمح الجنوب، بمعظمه، من النوع البلدي، أي الخشن والقاسي الصالح لصنع المونة المنزلية (السميد والبرغل والفريك) وليس من النوع الإيطالي الطري الذي يصلح لطحين الخبز. وبعد تشجيع مصلحة الأبحاث الزراعية على زراعة القمح، تعرّف المزارعون إلى أنواع جديدة أبرزها الأوكراني والمكسيكي الصالح للطحن. لكن بقي البلدي و«الطلياني» الأكثر انتشاراً.

محمد سرور من عيتا الشعب (بنت جبيل)، استأجر قطعة أرض ليزرعها قمحاً، مستعيداً ما كان يزرعه أهله قبل خمسين عاماً عندما كانت الزراعة في جبل عامل تقتصر بمجملها على القمح والحبوب. يقر بأن الظروف الزراعية والاستهلاكية تغيّرت كثيراً، إنما بقي الثابت الوحيد «أننا لا نبيع محاصيلنا للدولة. مش محرزة، وخصوصاً بعدما عاناه مزارعو الدخان من ابتزاز المصارف في قبض مستحقاتهم من الدولة نهاية العام الماضي». لذلك، فإن كثراً زرعوا القمح ليس للتجارة وإنما لتوفير حاجاتهم من الطحين والبرغل والسميد بعد ارتفاع أسعار المونة.
في منطقة مرجعيون، يردّد مزارعو القمح اللازمة نفسها: «لن نبيع للدولة». محمد صولي يمتهن زراعة القمح والعدس والسمسم والترمس والحمّص منذ عام 1980 في سهل بلدته الطيبة وسهول القنطرة وعدشيت بمساحة حوالى 500 دونم. يزرع القمح الخشن ويبيعه في السوق المحلي للأفراد وتجار المونة «لأنه أكثر ربحاً، ولأن الخنازير المنتشرة في المنطقة ترغب في القمح الطري». يشير إلى أن زراعة الحبوب على أنواعها كانت مزدهرة في زمن الاحتلال «عندما كانت بلدات الحزام الأمني منقطعة عن سهل البقاع ومجبرة على الاكتفاء ذاتياً». بعد التحرير، تغيّرت الخريطة الزراعية. «الأهالي كبروا في السن وأبناؤهم سافروا وتغيّرت العادات الاجتماعية والمهنية والزراعية. قبل سنوات، كانت كل عائلة تزرع القمح وتسلق جزءاً منه لصنع البرغل والسميد وتطحن الباقي للخبز.

لم تنمُ زراعة القمح مقارنة بزراعة «الحواكير» أو الخُضر حول المنازل التي زادت بنسبة 50%

أخيراً، أصبحت أكبر عائلة تشتري أقل من عشرة كيلوغرامات من البرغل، بعد أن طغت اللحومات والوجبات الجاهزة على النظام الغذائي». الأزمة الاقتصادية المستجدّة والحجر المنزلي في زمن «كورونا» أعادا كثيرين إلى مساقط رؤوسهم. «بعض من كنت أضمن أراضيهم قرّروا زراعتها بأنفسهم هذا العام»، يقول صولي. فهل نجحت تجربتهم؟ «البعض ندم على زراعة القمح بعدما اكتشف أن كلفة زراعته على نطاق ضيق غير مربحة»، إذ أن كلفة دونم واحد من القمح، على الأقل، تتوزّع بين 25 ألف ليرة لـ«البذار»، و25 ألفاً للحراثة، وبين 30 و35 ألفاً بدل حصاد الموسم، و25 ألفاً لإيجار العامل يومياً لجمع المحصول، و50 ألفاً في الساعة لـ«الدرّاسة». في المقابل لا يباع محصول الدونم بأكثر من 300 ألف ليرة. فيما يؤكد رئيس جمعية المزارعين أنطوان الحويك أن «المزارعين المخضرمين حصدوا محصولاً جيداً. لكنهم يحتاجون إلى موسمين وأكثر للبدء بجني أرباح صافية».
يشرح المزارع الثمانيني علي يوسف من طيرحرفا لماذا أصبحت زراعة القمح خاسرة رغم أنها زراعة «خفيفة» لا تحتاج إلى الأسمدة والمبيدات، إذ «لم يعد هناك من يزرع ويفلح على فدّان الثور أو البقرة التي يرعاها ويحصد ويدرس بمفرده. بدل اليد الواحدة في الحقل، بات صاحب الأرض يستعين بعمال كثر، فضلاً عن كلفة الاستعانة بآلات الحراثة والدراسة والحصّادة». فيما يؤكد رئيس بلدية عيترون (بنت جبيل) المهندس الزراعي سليم مراد أن نسبة زراعة القمح هذا العام ليست كبيرة مقارنة بزراعة «الحواكير» أو الخضر حول المنازل التي زادت بنسبة 50 في المئة. مع ذلك، «نسبة تأثيرها على مستوى الأمن الغذائي لا تُذكر، إذ لا تكفي المبادرات الفردية أو الحملات العابرة خارج سياسة وطنية قائمة على دعم الزراعة».