عام 1982، حين وصلت دبابات العدو الإسرائيلي إلى ميدان سباق الخيل، كان للمتحف الوطني في بيروت حارسٌ أمين، من صنف الموظّفين المتفانين ممن نفتقدهم في زمن القحط. روايات كثيرة وصلت إلى حدّ الأسطرة حيكت حول كيف تمكّن الأمير موريس شهاب (1904 - 1994)، أول مدير للآثار في لبنان ومن مؤسّسي المتحف، من حماية موجودات المتحف خلال الحرب الأهليّة والاجتياح الإسرائيلي عام 1982. بعض من عاصروه رووا لـ«الأخبار» أنه «كان ينام في المتحف، وجعل من مديرية الآثار بيتاً له مع زوجته أولغا. ولحماية الآثار من السرقة والتخريب، غلّفها بالخشب وصبّ الباطون فوقها... كما عزل الفسيفساء بالرمل قبل أن يغلّقها ويصب الباطون فوقها». الرجل الاستثنائي، كما يقول عارفوه، حمى الآثار وموجودات المتحف التي لولاه لما كانت بقيت إلى اليوم. بقيت أمامه، يومها، عقبة حماية التماثيل الكبيرة في الطبقة الأرضيّة التي يؤدي بهوها إلى ميدان سباق الخيل (جهة الغرب). يفصل بين هذه الطبقة والخارج جدار يعود الى أيام الانتداب الفرنسي، يضمّ أبواباً حديديّة مزخرفة وشبابيك. دعّم شهاب الجدار بالخشب والباطون والزجاج وغيرها من المواد المتوافرة بين يديه، حتى صار «متراساً» في وجه جنود الاحتلال الذين كانوا يصوّبون طلقاتهم إلى الجدار الذي يرجّح اختصاصيّون أنه لم يُكتشف خلال إعادة ترميم المتحف، في منتصف التسعينيات، بعدما تعرّض لتخريب كبير بفعل الحرب. أو - وهنا الفرضيّة الثانية - جرت تغطيته انطلاقاً من فكرة «عدم جماليّته وتناسقه مع الحجر الأصفر في باقي بناء المتحف»، ولمحو آثار الحرب وكل ما يذكّر بها. مطلع تشرين الثاني الماضي، أدّت أعمال بناء جناح جديد الى افتتاح ممرّ للوصول الى الجناح المصمّم بطريقة عصريّة (لم تنتهِ فيه الأعمال)، إلى اكتشاف «جدار شهاب». وتظهر صور التُقطت سرّاً أن سقالة حديد ودهاناً أبيض باتا يغطّيان الجدار من دون معرفة الخطوة التالية لهذه الأعمال.


(الأخبار)

في كتابين، رفعهما اختصاصيّان إلى المؤسسة الوطنيّة للتراث، قبل أشهر، شدّدا على ضرورة عدم المساس بالجدار انطلاقاً من أهميّته كتراث حديث يعود إلى الثمانينيات، وكشاهد على أطماع العدو وأفعاله، وهو تركة حيّة لما قام به شهاب لحماية المتحف وموجوداته.
الكتاب الأول بتاريخ 12 تشرين الثاني 2019، من المهندس الداخلي جان لوي منغي (الذي صمّم حفل قلعة بعلبك الأخير)، شدّد فيه على أن «هذا الجدار يجب حمايته بواسطة زجاج شفّاف منعاً لإحداث أي ضرر فيه». وفي اتصال مع «الأخبار»، أكّد منغي رأيه «الاستشاري غير المُلزم للمؤسّسة»، لافتاً إلى أن هدم الجدار أو تغطيته «سيكون أمراً مؤسفاً للغاية، هذا الجدار بناه شهاب بهدف الحماية وفيه آثار الحرب وشظاياها، وتغطيته هي حجب لجزء من تاريخنا».
الكتاب الثاني بتاريخ 23 كانون الثاني 2020، من المعمار فضل الله داغر، الذي كان عضواً سابقاً في اللجنة الاستشاريّة لعدد من وزراء الثقافة، أكّد فيه «ضرورة الحفاظ على هذا الجزء من الواجهة، بوضعه الحالي، من دون عمليّات تنظيف كبيرة ومن دون إحداث أيّ تجديد فيه». داغر، كما منغي، ليس على اطلاع على ما يجري حالياً من أعمال في الواجهة، لكنّه يشدد على أن الجدار «يعبّر عن حقبة من تاريخ المتحف، وعن الاعتداء الإسرائيلي على لبنان والمتحف تحديداً. وهو شاهد على طريقة شهاب في حفظ الآثار وحمايتها عندما كانت بيروت تتعرّض للاجتياح والقصف». ويضيف: «قد يعتقد البعض انطلاقاً من مبادئ جماليّة بحتة، أن شكله «غير الجميل» لا يتلاءم مع باقي بناء المتحف، لكنّ هل الجمال مبدأ أساسي في التاريخ؟ هل تاريخ الحرب والاعتداءات يمكن النظر إليه من منطلق جماليّ؟». ويشدّد على أن «الإبقاء على الجدار بحالته الحاليّة، أمر بالغ الأهميّة، إذ إن مجرّد رؤيته سيطرح علامة استفهام في ذهن الزائر حيال سبب وجوده والغاية من بنائه؟»، وستكون الإجابة: «بأن هذا الجدار هو جزء من تاريخنا المعاصر، إذ إن التراث ليس فقط الحجر والجمال والقناطر. هذا تراث حديث، والغاية من المتحف هي حفظ التراث، فكيف لا يتمّ الحفاظ عليه وخصوصاً أن الاعتداءات الإسرائيليّة لم تنتهِ، وقصّة بنائه بهذه العجلة تحت القصف، لا تزال تحمل أهميّة بالغة وقيمة راسخة لا يمكن التفريط بها». ويعلّق: «إذا جرى التعامل مع الجدار على أنه حيط خفّان صُنع لحماية النوافذ، فهذا رأي ينمّ عن اهتمام غير أثري ولا تاريخي!».
الجدار يعبّر عن حقبة من تاريخ المتحف وعن الاعتداء الإسرائيلي على لبنان والمتحف تحديداً


المهندس رائد أبي اللمع، مصمّم الجناح وصاحب الورشة، لا صلة له بنقل الآثار، لدى سؤاله عن جدار شهاب وسبب وضع سقالة حديد أمامه وطلائه بالأبيض، سأل «أي جدار تقصدون؟ إذا كنتم تقصدون حيط الخفّان الذي بني خلال الحرب فقد عمدنا إلى إزالته لفتح الرؤية على ميدان سباق الخيل».
وبحسب مصادر في المديريّة العامة تواصلت معها «الأخبار»، فإن «الجدار أُزيل جزء منه لفتح الرؤية على ميدان السباق، إذ لا يمكن تركه كونه شكّل ساتراً خلال الحرب، وبما أن جميع السواتر أزيلت لماذا نبقي عليه؟ لو كان شهاب حيّاً يُرزق لأزاله بنفسه!». علماً بأن تصاميم وخرائط المؤسسة الوطنية للتراث، مموّلة مشروع الجناح، لا تلحظ أي مسّ بالجدار. كما أنه ليس مجرد «حائط خفّان»، بل هو إقفال لأبواب ونوافذ حديد مزخرفة تعود إلى نشأة المتحف، ويحوي غرافيتي وشظايا شاهدة على تراثنا الحديث. فيما يبقى على وزارة الثقافة ومديريّة الآثار توضيح ما يجري ونشر الصور والوثائق وتأكيد الهدف من إزالة الجدار، أو جزء منه، أو إعادة الإقفال عليه كليّاً...