.نشأ التعليم عن بٌعد في سبعينيات القرن الماضي، وعُرف آنذاك بالتعليم المفتوح، وكان موجّهاً الى الكبار الذين فاتهم قطار التعلّم. ونتيجةً للفورة السيبرنيطيقية، أواخر القرن الماضي، وثورة تكنولوجيا الاتصالات والتواصل، تطوّر هذا النمط من التعليم، خصوصاً في المرحلة الجامعية.

يستند التعليم عن بُعد الى مرتكزات عدة، منها: الكادر البشري المؤهّل، الوسائل الفنيّة والتكنولوجية المتطوّرة، البنى التحتيّة التقنية والتكنولوجية، برامج التعليم المستخدمة، المادة التعليمية وإعدادها، الخدمات التعليمية المكمّلة لعملية التعلّم، البيئة المؤاتية للتعلّم وغير ذلك. ولكن هل يستطيع التعليم عن بُعد أن يحلّ محل التعليم التقليدي وصفوف المدرسة ورهبة المعلم؟
من المؤكّد أن التعليم لا ينحصر في تلقين المعارف وحفظها فحسب، بل هو عملية مستمرة تهدف إلى تغيير السلوك وتنشئة الفرد من النواحي كافة، بدءاً من القيم الأخلاقية والمدنية والدينية، مروراً بالعلوم والرياضيات والآداب، وصولاً إلى الرياضة والفنون... لهذا الغرض، وُجدت المدرسة كمؤسسة اجتماعية تضمن استمرارية المجتمع وتسعى إلى تطويره. فهي تضم في صفوفها متعلمين يشتركون في العمر ذاته والاهتمامات نفسها، يتعلمون بعضهم مع بعض وبعضهم من بعض، من خلال تفاعلاتهم وسلوكاتهم، ليبنوا شخصياتهم من خلال احتكاكهم في ما بينهم ومع المعلم، إلى جانب تزويدهم بالمعارف والمعلومات المطلوبة.
إلى ذلك، تحمل المدرسة المسؤولية الاجتماعية الهادفة إلى زرع القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية من خلال نشر قيم المواطنة والتعاون والمساواة والعدل وغير ذلك... كما إكساب المتعلم مبادئ الحق والواجب، واحترام رأي الآخر وتقبّله، والتعايش مع الجميع مهما بلغت الاختلافات... كل هذه القيم والمفاهيم يحتاج إليها الفرد ليكون مواطناً صالحاً وعنصراً فعّالاً في بناء مجتمعه. كذلك لا يمكن التغاضي عن دورها في نقل الإرث الثقافي وتطويره، وفي الوقت نفسه المحافظة على أصالته، فضلاً عن دورها في تنمية مهارات المتعلم وقدراته، إذ إن المدارس الفنية والمعاهد المهنية تعتمد أساساً على الدروس التطبيقية المباشرة لقياس مدى تحقيق الأهداف التربوية.
بالطبع، لا يكتمل دور المدرسة إذا لم يقترن بدور المعلم، وهو دور محوري في التنشئة الأخلاقية والمدنية والقيمية، فضلاً عن كونه المصدر الرئيس للمعرفة والمؤتمن عليها لإيصالها إليهم.
اليوم، مع التطورات التي شهدتها مفاصل الحياة، برزت أنماط جديدة أسهمت في تطوير عملية التعليم/التعلّم، فبات للمتعلم أن يكتسب معارفه من مصادر متنوّعة عبر كبسة زر. كما برز التعليم عن بُعد القادر على إكساب المعارف والخبرات عبر وسائل اتصال عدة قادرة على أن تفصل في المكان والزمان بين المعلم والمتعلم؛ فتعمد المؤسسة التعليمية إلى تصميم المادة التعليمية وإنتاجها ونشرها مطبوعة ومسجّلة بطريقة تتلاءم مع ظروف المتعلمين واحتياجاتهم.
يحتاج التعلم عن بُعد إلى كثير من الجهد والتصميم وعناية نشر المعارف والمعلومات عبر وسائل تكنولوجية متطورة قادرة على الوصول إلى المتعلمين، المسؤولين عن تعليم أنفسهم في أماكن بعيدة عن صفوف المدرسة وعن المعلم. ورغم أهمية هذا النمط، إلا أن أسئلة كثيرة تطرح حول ملاءمة المكان وقدرته على تأمين البيئة المؤاتية للتعلّم، وعن قدرة التعليم عن بُعد على نقل القيم والمبادئ الاجتماعية للأبناء، وإلا ما الفائدة من تخريج متعلمين لا يمتلكون القيم والأخلاق ولا يتحسّسون المشكلات التي تدور من حولهم؟ وهل يمكن للأهل أن يقوموا وحدهم بأدوار التربية في مختلف أبعادها؟

نجاح هذا النمط يتطلّب مناهج تربوية متطورة تواكب مستجدات العصر وهو ما ليس متوافراً


قطعاً، لا يمكن للأهل ذلك، إذ إن الأغلبية الساحقة تنهمك في انشغالات الحياة، كما أن بعضاً من الأهالي لا يتقنون المعارف والخبرات اللازمة لتعليم أبنائهم، فضلاً عن الحالات الاجتماعية، كالتفكك الأسري، والفقر، والأمية، وغيرها من المشكلات التي تعيق هذه العملية. كذلك لا يمكن التغاضي عن الأوضاع المعيشية والاقتصادية الصعبة التي ترخي بظلالها على المجتمع وتمثّل تحديات قاسية في وجه قدرة الأهل على تأمين كامل متطلّبات الأبناء.
قد تكون قدرة الأهل عائقاً أمام انتشار التعليم عن بُعد في الوطن العربي، لكن الأمر لا يتوقف عليها فحسب، إذ إن نجاح هذا النمط يتطلّب أيضاً مناهج تربوية متطورة تواكب مستجدات العصر. فهل المناهج التربوية العربية الحالية قادرة على أن تؤمّن التعليم عن بُعد؟ وهل المدرسة مهيّأة ومجهّزة للواقع الجديد؟
المناهج التربوية العربية تقليدية، إذ تحتل المادة التعليمية المكانة الأبرز متفوّقةً على احتياجات المتعلمين والمجتمع والاتجاهات الحديثة. وهي تعاني من الجمود بحيث تمرّ عقود قبل أن تخضع للتطوير، ما يقلّل من أهميتها التربوية والعلمية، فضلاً عن العمومية التي تتصف بها وإغفالها الجوانب التقنية والتكنولوجية، وتمحورها على حجم المعلومات واكتظاظها بالمعارف المرتكزة بشكل أساس على الحفظ والتذكّر وافتقارها إلى المهارات العملية والبحث والاستقصاء الذاتي.
إلى ذلك، تبدو الفجوة كبيرة بين أهداف المناهج التربوية وتطبيقها، إن لناحية ضبابية الأهداف وصعوبة ترجمتها إلى الواقع كونها لا تنبع من احتياجات المتعلم والمجتمع، أو لناحية ضعف السياسات التربوية التي لا تواكب التطورات العلمية والتكنولوجية. كذلك فإن المناهج التربوية العربية تعتمد على الكتاب المدرسي كوسيلة رئيسة ووحيدة لإيصال المعلومات للمتعلمين، من دون أن يكون للوسائل التكنولوجية دور فعّال في إيصال المعارف... وكل هذا جعل من عملية التعليم/ التعلّم جامدة تلقينية.
أما في ما يخص المدارس، فهي تفتقر بأغلبيتها الى البنى التحتية التكنولوجية المتطورة، كما أن الهيئة التعليمية ليست مؤهلة بأكملها لمتابعة مسار التعليم عن بُعد، بدءاً من تجهيز المادة العلمية (تصميم، تسجيل، وطباعة)، وصولاً إلى تسليمها إلى طالبيها عبر أجهزة متطورة وبرامج سهلة، فضلاً عن مدى قدرة المتعلمين على الاستفادة من طرق تعلّمية كهذه لم يسبق لهم أن تلقوها.
في ظل هذا الوضع، كيف يمكن للتعليم عن بُعد أن يحطّ رحاله ويحقّق النتائج المرجوّة، خصوصاً أن المناهج لم تخضع للتطوير منذ فترة؟ وأين جودة التعليم، وهي التي تحمل طريقة تحقيق الأهداف وليس إنجازها فقط؟ إذ إن تحقيقها يتوقّف على عوامل عديدة، منها نوعية المدخلات من موارد بشرية ومادية مستخدمة، وطرق استخدام هذه المدخلات وكيفية استثمارها (العمليات)، بغية تحقيق ما هو منشود وتقويم المخرجات.
لهذا، على المناهج التربوية أن تخلع ثوبها القديم المهترئ وليس رتيه أو ترقيعه. وعلى المعنيين أن يحيكوا ما هو مناسب، نظراً إلى التغيرات التي طرأت على بيئة المتعلم ومجتمعه، إضافة إلى الاتجاهات العلمية والمعرفية الحديثة والتغيرات الكثيرة في سمات العصر التي فرضت وقعها.
أمام واقع المناهج التربوية، وفي ظل الظروف الراهنة والمتمثلة في انتشار وباء خطير يهدّد صحة الإنسان وحياته، ما هي الحلول المقترحة لمتابعة عملية التعليم/التعلّم؟
يعيش العالم اليوم كابوس وباء كورونا الذي أجبر دولاً على إغلاق أبواب حياتها اليومية من مدارس، ومحال تجارية، ومصانع، ومجمّعات وغير ذلك، فوجدت نفسها أمام محاولة لا بدّ منها، وهي التعليم عن بُعد. وسَعت الحكومات والسلطات التربوية جاهدة لإنجاح العملية التعليمية وإنقاذ العام الدراسي، فعمدت إلى اعتماد البرامج التعليمية المباشرة (online). ولكن نظراً الى العوائق الكثيرة التي تعترض التعليم عن بُعد في الوطن العربي، خصوصاً أن المعلمين والمتعلمين غير مدرّبين على هذا النمط، ونظراً إلى الصعوبات التي يواجهونها بسبب ضعف البنى التحتية التكنولوجية والضغوط المالية والمعيشية، تحول التعليم عن بُعد الى ما يشبه «واجبات منزلية» أو ما يعرف بـ»Devoirs des vacances» يقوم بها المتعلم كي لا ينسى ما تعلّمه في وقت سابق، إضافة إلى بعض المحاولات لإعطاء معارف جديدة تمهيداً لعودته إلى مقاعد الدراسة.
لقد كشف وباء كورونا عيوب الأنظمة والسياسات التربوية العربية التي تتخبّط في مشكلات عديدة، وهي التي ما زالت أنظمة تقليدية متخلفة عن مواكبة تغيّرات العصر. وانطلاقاً من هذا الامتحان الذي فشلت فيه، على السلطات المعنيّة أن تعمل جاهدةً على بلورة مناهج تربوية حديثة تلحظ التطورات التكنولوجية والاجتماعية والثقافية، وعلى بناء مجتمع قادر على أن يتكيّف مع مختلف الأحداث والظروف.
* أكاديمية لبنانية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا