في خضمّ احتدام النقاشات التربوية التي فرضها التعليم عن بعد، خصوصاً تلك التي ركّزت على عدم الجهوزية التقنية أو التخبط في القرار التربوي وسوء التخطيط، بدا ملفتاً تغييب السؤال الجوهري، عما إذا كان نظامنا التربوي قد أُسّس أصلاً وفق رؤية تراعي مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص! والحديث هنا لا يرتبط فقط بالعدالة الجغرافية (بين المدن والأطراف) مثلاً، أو العدالة بين التعليم الرسمي والخاص (وداخل كل منهما)، أو العدالة الرقمية التي تم التصويب عليها من دون غيرها وكأن غيابها منفصل عن باقي تجليّات اللامساواة التي تحوم غالبيتها في فلك فوارق اجتماعية تكبّل مسار الإستحقاق والإرتقاء الاجتماعي.

التساؤل عن عدالة التربية والتعليم ليس جديداً، ويحاول عدد هائل من البحوث الإجابة عن فعالية المنظومات التربوية في تقليص التفاوت التعلّمي الناتج عن الأصل الاجتماعي. وتُلخّص استنتاجات دراسات عدة بالآتي : المدرسة بصيغتها الحالية لم تنجح في التخفيف من أثر الفوارق الاجتماعية بل إنها غالباً ما تكرّسها، وذلك، ببساطة، لأن ما يحدد مسبقاً النمط العام لأداء التلميذ التعلمي هي مرحلة الطفولة المبكرة، وهذه تقبع في آخر سلّم أولويات السياسات التربوية إن لم نقل خارجها تماماً، علماً بأنها المرحلة التي يطغى فيها أثر الرأسمال الثقافي للأسرة والذي يعزّز تراكم اللامساواة إن لم يتم تداركه مبكراً.
في كتاب «حرب الذكاءات»، يذكّر الكاتب بدراسة للباحث دايفيد غودمان يشرح فيها أن 84% من النخب الصينية حالياً كانت أيضاً ضمن نخب ما قبل الثورة الماوية رغم أن ثرواتهم صودرت عام 1949 وواجهوا صعوبات في تعليم أولادهم، هذا - برأيه - برهان على التأثير الطاغي للرأسمال الثقافي (اللامادي) للأسرة في تحديد مصائر أفرادها.

المدرسة بصيغتها الحالية لم تنجح في التخفيف من أثر الفوارق الاجتماعية بل غالباً ما تكرّسها


وفي دراسة فرنسية نشرها مجمع التفكير «تيرا نوفا» (Terra Nova) عام 2017، أشار الباحثون إلى أن ما سمعه طفل في الرابعة من عمره ينتمي لعائلة فقيرة هو أقل بثلاثين مليون كلمة مما سمعه طفل من عائلة ميسورة، كما أن ما يتقنه هو مرتين أقل، وهذا ما يؤدي لاحقاً إلى صعوبات في اكتساب القراءة، وما يفسّر أيضاً عجز المدرسة عن تصحيح هذا الفارق المهول. وذكر التقرير، في معرض اقتراحه للحلول، التجربتين الرائدتين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي (Perry Preschool للأطفال بين 3 و5 سنوات وAbecedarian للأطفال بين 4 أشهر و5 سنوات)، اللّتين هدفتا إلى التثبت من أن تصحيح التفاوت ممكنٌ خلال سنوات الطفولة المبكرة. استمر التقييم العلمي الدقيق لأثر هاتين التجربتين على مدى عقود، وتمّ تتبّع الأفراد حتى سن الأربعين. وقد أتت النتائج مذهلة مقارنة بالمجموعة الضابطة: نجاح مدرسي أفضل، وصول إلى التعليم الجامعي، بطالة أقل، دخل أعلى، صحة أفضل، عرضة أقل للجريمة... جيمس هيكمان، الإقتصادي الحائز جائزة نوبل، والذي أجرى تحليلًا مفصلاً للتكلفة والفائدة من برنامج Perry Preschool (مقاربة إقتصادية - إجتماعية)، أكّد أنّ الإستثمار في التعليم يكون أكثر فعالية كلما كان مبكراً، فالمبالغ المستثمرة في إعادة التأهيل المهني ومحاربة التسرب والفشل الدراسي، كانت ستكون أكثر إفادة لو صُرفت على مبادرات فعّالة تستهدف الطفولة المبكرة. وفي هذه النقطة، يلاقي علم الأعصاب خلاصات هيكمان. فبحسب علماء الأعصاب يولد في كل ثانية لدى طفل عمره ثلاث سنوات مليون اشتباك عصبي، وهي الوتيرة التي تتلاشى مع العمر لتتدنى معها مطاوعة الدماغ (neuroplasticity) وبالتالي القدرة على التعلّم!
في كل الأحوال، تُجمع هذه الدراسات على وجوب النظر إلى الطفولة المبكرة على أنها مرحلة تعليم قائمة بذاتها، وقد تكون الأهم، وعلى وجوب التركيز على جودتها التعليمية إذا ما أردنا أن نضمن تكافؤ فرص حقيقياً لجميع الأطفال. في لبنان، لا يجوز طبعاً الإسقاط الكامل لنتائج كهذه على واقعنا التعليمي بحكم اختلاف الظروف والعوامل المؤثّرة (خصوصاً عامل المحيط الإجتماعي)، إلا أن الحقائق العلمية تبقى سارية المفعول، أقلّه في ما يخص أدمغة الأطفال، إضافة إلى أوجه الشبه في تكريس دُور الحضانة والمدرسة (قبل سن 6 سنوات) للعمل فقط على النمو الحسّي والحركي والقليل من النمو العقلي وعلى التنشئة الاجتماعية للأطفال، وأيضاً في إهمال السياسات التربوية لمرحلة ما قبل سن الثلاث سنوات وتركها لاستنسابية دُور الحضانة (غياب دُور حضانة «عامة مجانية» في لبنان يزيد من حدة التفاوت). ما يفاقم مشكلاتنا التربوية في لبنان، إضافة إلى غياب القرار السياسي الرؤيوي، هو ضعف إنتاج البحوث التربوية بشكل عام، والتعاطي البحثي مع القضايا التربوية كأنها مجال معزول، بينما هي أكثر المجالات التي تتطلب مقاربات بينمناهجية وتقاطعاً مع الحقول المعرفية التي تتداخل في صلب العملية التعلمية كعلم الوراثة والتخلّق وعلوم الأعصاب والعلوم الإستعرافية على سبيل المثال، وصولاً إلى الذكاء الإصطناعي، ليس كهدف بذاته بل كأداة لتحسين التعلم... أضف إلى ذلك إن غالبية البحوث وأطروحات الدكتوراه المعاصرة إما تعيد تدوير مسائل مستهلكة لا ترقى لمستوى البحوث المبتكرة الإستشرافية، وإما تدّعي الإبتكار التربوي بينما هي تحصره بشكل هوَسي برقمنة التعليم، ما يفرغه تماماً من مضمونه الأشمل وأبعاده وغاياته.
حتى لو صحّت مقولة «أن المجتمع يغفر للمجرم ولا يغفر للحالم»، إلا أن من واجبنا أن نحلم ونطمح ونسعى، رغم غرقنا في سيلٍ من الأزمات والكوارث، للإرتقاء بنقاش تربوي عميق، وللوصول إلى رؤية تربوية شاملة مسؤولة، وللتأسيس لعقدٍ تربوي جديد، بكل مكوناته السياسية والمؤسساتية والبشرية والبحثية ضمناً، ينبذ الحلول الترقيعية غير المجدية ويدفع نحو علاجٍ جذري مستدام لآفات المنظومة التربوية، والتي من أهمها أنها ما زالت تهمل أهم مراحل التعليم وتعيد إنتاج اللامساواة الإجتماعية... بل وترسّخها أكثر وأكثر.
*مديرة برنامج منح الدكتوراه في المجلس الوطني للبحوث العلمية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا