لن تتوقف بعض المدارس الخاصة عن ابتزاز الأهل وتشليحهم أموالهم، وبالدولار الـ«فريش»، طالما أنها مُطمئنة إلى أنها لن تخضع لأي رقابة مالية أو قانونية، إن من وزارة التربية التي لا يبدو وزيرها عباس الحلبي معنياً بالأمر، أو من لجان الأهل «الشكلية»، وأنها لن تكون عرضة لأي محاسبة مع استمرار تعطيل المجالس التحكيمية التربوية، إلا إذا صدقت وعود الحلبي بتشكيلها قريباً، ولا سيما أن مراسيم المجالس لا تحتاج إلى مجلس وزراء.

على مر عقود، نجحت المدارس في فرض نفسها معياراً للتعليم الجيد، مستغلة ضعف الدولة وعجزها عن تأمين تعليم رسمي متكافئ، ولا سيما بعد الحرب الأهلية. وبقيت متيقّنة من أن أي تعميم يصدر عن الوزارة لا يرضيها أو يحاول الاقتراب من أرباحها غير المشروعة لا يمرّ حتماً.
ولا يبدو، أساساً، أن لدى وزير التربية نية لإصدار مثل هذا التعميم الذي يضع حداً للابتزاز. وهو لم يأل جهداً، منذ توليه الوزارة، بإمداد المدارس بجرعات دعم مستمرة، تارة عبر تبرير «الخوات» غير القانونية التي تتقاضاها من خارج القسط، بالقول إنها «مؤسسات مأزومة ومغلوب على أمرها في مصاريفها التشغيلية»، وطوراً في السعي الحثيث مع النائبة بهية الحريري لاستصدار قانون يمنح المدارس 350 مليار ليرة من الخزينة العامة، وهكذا صار، فيما تتجه الأنظار إلى الوزير شخصياً لإصدار الآلية التنفيذية من أجل تحديد كيفية صرف المساهمة المالية، بما يتضمن الوضوح والشفافية والالتزام بوجهة الصرف.
هل يعلم الحلبي، مثلاً، أن أيّاً من إدارات المدارس لم تخبر لجان الأهل، المنتهية ولايتها أصلاً منذ سنة، بأنها ستفرض «تبرعاً» إلزامياً بالـ«فريش» دولار وتضع الأهالي تحت الأمر الواقع؟ وكيف يمكن أن يسمح لمدرسة تضم 3000 تلميذ بأن تتقاضى 450 دولاراً على التلميذ الواحد، أي ما مجموعه مليون و350 ألف دولار، ويبرر لها هذا «الفعل المشبوه» بأنه مساهمة في تأمين مصاريف تشغيلية أو تمويل زيادة على رواتب المعلمين، إذا كان عدد المعلمين لا يتجاوز 250 معلماً؟

لا يبدو وزير التربية معنيّاً بوضع حدّ للابتزاز الذي تمارسه المدارس على الأهالي


ذريعة «المصاريف التشغيلية» لا تنطلي على الأهل، ولا سيما في بعض المدارس التي تعتمد الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء أو تلك التي اعتمدت 3 أيام تعليم في الأسبوع، في حين أن 5 في المئة فقط (لا تتجاوز 50 مدرسة) من مجموع المدارس الخاصة تدفع اشتراكات الـ 6 درجات الاستثنائية للمعلمين لصندوق التعويضات، وأن هذه الاشتراكات مع فروقاتها كان يجب أن تسدّد للصندوق منذ عام 2017، تاريخ إقرار سلسلة الرتب والرواتب، علماً بأن المدارس أخذت قيمة هذه الدرجات من الأهل.
هل يدرك الوزير أن كل المدارس الخاصة تتفلّت من أي ضريبة على الأرباح رغم العمليات التجارية والأنشطة الملحقة التي تقوم بها خارج إطار التعليم (مثل فتح الملف والقرطاسية والكتب والنقل والأنشطة اللاصفية وغيرها)، والتي يدفع الأهالي بدلاتها من خارج الأقساط، وسط غياب شبه كامل لمراقبة النفقات من جانب الأهل ووزارة التربية على السواء، فيما تزخر الموازنات المدرسية ببنود وهمية مثل «التجديد والتطوير» و«الاستهلاكات» وغيرها، والتي تذهب بمعظمها إلى أصحاب الرخص؟
وطالما المدارس الخاصة «مؤسسات غير ربحية» ومعفاة من الضرائب، متى ستكون ممارساتها ووسائلها غير المشروعة في جني الأرباح والتي جرى تفنيدها على الأقل، على صفحات «الأخبار» ولسنوات، إخباراً للنيابة العامة المالية أو للتفتيش المالي؟ وهل يمكن وزير التربية أن يقدم مثل هذا الإخبار فيستند بالحد الأدنى إلى شكاوى الأهالي في هذا الخصوص والمسجلة في قلم مصلحة التعليم الخاص في الوزارة؟
وإذا كان الحلبي يتذرع بالظروف الاستثنائية والأزمة الاجتماعية غير المسبوقة لتبرير أفعال المدارس الخاصة، فلماذا لا يتدخّل لحماية الأهل وردع المدارس عن القفز فوق هذه الظروف نفسها وفرض استيفاء الأقساط قبل بداية الفصل الدراسي وليس في نهايته، كأن تستوفي قسط الفصل الأول في أيلول، والفصل الثاني في كانون الأول والفصل الثالث في آذار مع زيادات غير مبررة وغياب لأي شفافية مالية؟

اشترك الآن: تعلم اللغة الإنكليزية في لبنان