لم تمضِ ساعة واحدة على إصدار شركة «ليبان بوست» طابعاً بريدياً في ذكرى خمسين سنة على مباشرة عمل مصرف لبنان، حتى فُقدت هذه الطوابع من مكاتب الشركة، مثلها مثل غالبية الإصدارات الخاصة السابقة والإصدارات المميزة لهذه الشركة. الأمر ليس فيه مصادفة، بل تبيّن أن هذا السلوك هو ذو طابع تجاري لتغذية أرباح «ليبان بوست» من خلال احتكار بيع الطوابع، وهو ما يطلق سوقاً سوداء يتشارك فيها بعض كبار الموظفين في الشركة.


من قال إن الدولة هي تاجر فاشل لم يكن يستهدف سوى التسويق للقطاع الخاص الساعي إلى احتكار الخدمات العامة ليفرض أسعاراً مرتفعة على المستهلكين ويولّد منها أرباحاً هائلة كلما سنحت له الفرصة بذلك. هذه النتيجة بَدَت واضحة أول من أمس حين وضعت إدارة شركة «ليبان بوست» إصداراً بريدياً خاصاً بين يدي الجمهور في مناسبة مرور 50 سنة على مباشرة عمل مصرف لبنان. فهذه الشركة، كما يتردّد، تحقق ملايين الدولارات أرباحاً سنوية من بيع الطوابع التي لا تصدر سوى ضمن إصدارات خاصة أو إصدارات مميزة وبأسعار باهظة أعلى من قيمتها الفعلية، ثم سرعان ما تُفقَد هذه الطوابع من السوق، فضلاً عن أنها تُطلق أيدي الموظفين في إنشاء سوق سوداء للطوابع البريدية مستفيدين من حالة الاحتكار التي تمارسها الشركة في مجال إصدار الطوابع وتسويقها.
فما جرى أول من أمس كان لافتاً، إذ تبيّن لبعض جامعي الطوابع البريدية أن طابع مصرف لبنان مفقود منذ أن أُدرج في مكاتب الشركة ليباع للجمهور. وقد حاول بعض المتابعين شراء هذا الإصدار الخاص في عدد من المكاتب المنتشرة في منطقة جبل لبنان، إلا أنه تلقى إجابة واحدة: مفقود!
سرعان ما تبيّن للمتابعين، أنها ليست المرّة الأولى التي يُفقد فيها أحد الطوابع الصادرة ضمن «إصدار خاص» أو «إصدار مميز» من مكاتب الشركة.
وقد اكتشف المتابعون أن إحدى الموظفات المسؤولات طلبت من بعض المكاتب في منطقة جبل لبنان وقف عمليات البيع للجمهور لأن الكمية باتت كلها محجوزة. ويشترك مع هذه الموظفة في سلوكها لجهة منع التوزيع على المكاتب، أحد الموظفين المسؤولين عن توزيع الطوابع على المكاتب، ويعتقد بعض الموظفين أن الاثنين يشتركان في هذا العمل بأوامر من الإدارة، أو أنهما على علم بما يحصل في الإدارة وحالة الاحتكار التي تقوم بها الشركة، فيقومان بمنع البيع مستفيدين من حالة الفوضى التي يخلقها هذا الاحتكار من القطاع الخاص.
وبحسب المعطيات المتداولة بين عدد من موظفي الشركة، فإن منع بيع الطوابع يرمي إلى تحقيق أمرين: استجابة لمطلب إدارة الشركة الذي تليه في العادة أوامر ثانية تطلب من الموظفين بيع بعض الكتب إجبارياً مع كل إصدار بريدي، ويلاحظ أنها كتب غير ذي قيمة حقيقية فيما أسعارها تتجاوز 50 ألف ليرة لكل كتاب، أو بيع إصدارات الطوابع بأسعار تفوق قيمة الطابع الفعلية.
ويُرجِّح الموظفون أن إدارة الشركة على علم بأن صاحب المناسبة التي يصدر من أجلها الطابع يشتري كميات كبيرة من الإصدار الأول، فيجري عندها توفير ما يلزمه في هذا المجال ومنع بيع الكميات المطبوعة في السوق مباشرة، وذلك بهدف بيعها لاحقاً، للجمهور، بأسعار باهظة أو فرض شراء سلع أخرى معها. وهذا بالتحديد ما حصل حين صدر طابع جامعة الحكمة، وكذلك حصل بالنسبة لطابع رئيس الجمهورية المفقود من الأسواق، وطابع عيد الأم الذي بيع بقيمة 100 دولار فيما ثمنه الفعلي 2000 ليرة فقط.
ما تقوم به الشركة ليس جديداً، بل هو قديم؛ فعلى سبيل المثال، أصدرت «ليبان بوست» في عام 2005 طابعاً في ذكرى الألعاب الأولمبية، وسوّقته على أنه إصدار مميز وباعته بقيمة 25 ألف ليرة للطابع الواحد رغم أن سعره الأصلي كان 500 ليرة فقط!
واللافت أن «ليبان بوست» تقوم بإصدار أول لكل مجموعة طوابع صادرة في السنة نفسها وتوزّعها على لوحات كرتونية كبيرة وتغلفها بأكياس من البلاستيك لتبيعها على أنها إصدار خاص وبقيمة تفوق أسعارها الفعلية لتحقق أرباحاً هائلة من هذه العملية.
سلوك الشركة يثير تساؤلات عديدة في السوق: لماذا لا يجد الزبائن الطوابع الصادرة سابقاً؟ لماذا لا تباع الطوابع إلا ضمن «إصدار أول» أو «إصدار خاص» أو «إصدار مميز» ولماذا تتضاعف أسعارها مرّات عديدة في هذه الإصدارات؟ من أعطى الشركة هذا الحق؟ من يراقب هذا النوع من الخدمات التي تقدّمها ليبان بوست لإدارة البريد والمواصلات في لبنان؟ ما هي حصّة الخزينة العامة من الأموال المحققة من مبيعات الطوابع؟
تجدر الإشارة إلى أن الإصدار الخاص أو الإصدار المميز لا يتضمن أي تعديلات على الطابع الأصلي سوى أنه ملصق على لوحة كرتونية وبسعر مضاعف مرات عديدة عن سعر الطابع الأصلي.