مرة جديدة يؤكد مجلس شورى الدولة أن تسليم رئاسة مجلس الوزراء ملف تحقيقات اللجنة الرسمية للاستقصاء عن مصير المخطوفين، كاملاً، الى لجنة أهالي المخطوفين هو حق مطلق لا يقبل أي تقييد أو انتقاض أو استثناء إلا بموجب نص صريح، وأن الامر غير متوافر في القضية المطروحة.


وكان مجلس شورى الدولة أصدر بتاريخ 4 آذار 2014 قراراً يقضي بإلزام الدولة بتسليم كامل ملف تحقيقات اللجنة الرسمية للاستقصاء عن مصير المخطوفين والمفقودين في لبنان المعينة من الرئيس سليم الحص في عام 2000، غير أن هيئة القضايا في وزارة العدل تقدمت بتاريخ 6 أيار 2014 بطلب إلى مجلس الشورى لإعادة المحاكمة مرفق بطلب وقف التنفيذ، بحجة أن تنفيذ القرار يشكل «خطراً» على السلم الأهلي.
قرار الغرفة الاولى في مجلس شورى الدولة برئاسة القاضي شكري صادر، الذي صدر أول من أمس، رفض طلب هيئة القضايا في وزارة العدل بوقف تنفيذ قرار شورى الدولة، ورأى القرار أنه لا يتبين من الملف بحالته الحاضرة أن شروط المادة ٧٧ من نظام مجلس شورى الدولة متوافرة، ما يقتضي معه رد طلب وقف التنفيذ.
وتنص المادة ٧٧ على أن لمجلس شورى الدولة تقرير وقف تنفيذ القرار القضائي بناءً على طلب المستدعي، إذا تبين أن التنفيذ يلحق ضرراً بالغاً، وأن المراجعة تستند الى أسباب جدية ومهمة.
ويؤكد وكيل لجنة أهالي المفقودين المحامي نزار صاغية أن هذا القرار الاعدادي إشارة قوية على أن مجلس شورى الدولة يتجه الى رفض طلب إعادة المحاكمة الذي تقدمت به رئاسة مجلس الوزراء ممثلة بهيئة القضايا في وزارة العدل، لفسخ القرار الصادر عن المجلس، الذي حمل الرقم ٤٢٠.
ويكرس هذا القرار الذي صدر مطلع آذار الماضي، للمرة الأولى، الحق في الوصول الى المعلومات بشكل عام وحق ذوي المفقودين في معرفة مصير أحبائهم. وقد قضى هذا الحكم بإبطال القرار الضمني الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء برفض تسليم ملف التحقيقات التي قامت بها لجنة التحقيق الرسمية للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين لذوي المفقودين. وقد توصل المجلس الى هذه النتيجة بعدما أعلن حقاً أساسياً جديداً هو حق ذوي المفقودين، على أساس أن هذا الحق هو حق طبيعي متفرع عن حقوق الإنسان في الحياة وفي الحياة الكريمة وفي مدفن لائق، وعن حق العائلة في احترام الأسس العائلية وجمع شملها، وعن حق الطفل في الرعاية الأسرية والعاطفية والحياة المستقرة، وهي حقوق كرستها المواثيق والشرائع الدولية التي انضم إليها لبنان.


يكرس قرار «شورى الدولة» حق ذوي المفقودين في معرفة مصير أحبّائهم

ووقّعت أكثر من عشرين جمعية من المجتمع المدني كتاباً وجّهه أهالي المفقودين إلى رئيس مجلس الوزراء تمام سلام، مطالبين فيه بالتراجع عن طلب وقف تنفيذ قرار مجلس شورى الدولة «التاريخي» الذي ألزم الدولة بتسليم ملف التحقيقات كاملاً إلى ذوي المفقودين.
ووجّهت كل من لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان ولجنة دعم المعتقلين والمخفيين اللبنانيين ــ سوليد، بدعم من منظمات في المجتمع المدني، كتاباً إلى سلام، طالبة فيه الإيعاز إلى هيئة القضايا بـ«التراجع عن استدعاء إعادة المحاكمة» الذي تقدمت به أمام مجلس الشورى.
وشددت جمعيات المجتمع المدني على ضرورة «المبادرة فوراً إلى تنفيذ القرار في موازاة اتخاذ كامل التدابير اللازمة لضمان حق ذوي المفقودين بالمعرفة»، معتبرة أن أي تأخير يشكل «سعياً إلى مواصلة تعذيبهم وطعناً بأحد أهم قرارات القضاء اللبناني».
رئيسة لجنة أهالي المفقودين وداد حلواني أكدت لـ«الأخبار» أن الرئيس تمام سلام الذي اجتمع أخيراً مع وفد من الاهالي، أبدى حرصاً وتفهّماً لمطلب الاهالي بالحصول على الملفات، لكنه أشار الى أن الفريق القانوني في رئاسة مجلس الوزراء وعدداً من المستشارين يؤكدون أن تسليم الملف من شأنه تهديد السلم الاهلي، نظراً إلى حساسيته.
وترفض لجنة أهالي المفقودين هذه الحجة، وترى أن الدولة من خلال تهرّبها من تسليم الملف أخلّت بمبدأي الخصم الشريف وعدم جواز قول الشيء ونقيضه؛ فبعدما صرّحت بأنها تقرّ بحق المعرفة وأنها سلّمت الأهالي كامل الملف، ادّعت أن ثمة خطراً هائلاً قد يستتبع تسليمه.
وأكدت حلواني أن جمعيات المجتمع المدني سوف ترفع الصوت من أجل التسليم الفوري للملف من قبل رئاسة مجلس الوزراء، وأن الاهالي على استعداد لفتح حوار بهدف سحب أي ذرائع من قبيل «الخطر على السلم الاهلي»، خصوصاً أن الضرر الوحيد هو في عدم تسليم الملف الى الأهالي وليس العكس، لأن ذلك سيحرمهم من حق المعرفة. وطالبت حلواني السياسيين بعدم التدخل في القضاء واحترام أحكامه والمبادرة الى تنفيذها، لافتة إلى أن اللجنة تدرس جميع الخيارات القانونية من أجل تنفيذ القرار من خلال دائرة التنفيذ.
وأعلنت حلواني أن اللجنة ستجتمع الاثنين المقبل مع وزير العدل اللواء أشرف ريفي لإنفاذ مطلب الأهالي بإقرار اقتراح قانون يكفل إنشاء مؤسسة وطنية للمفقودين تعمل بشكل علمي ومستقل ومحايد لكشف مصير المفقودين.
وكان وزير العدل السابق شكيب قرطباوي قد أعدّ مرسوماً لإنشاء «الهيئة الوطنية المستقلة للمفقودين»، لكن عائلات المفقودين تعترض على هذا الإجراء، وتطالب بإنشاء هذه الهيئة عبر قانون صادر عن مجلس النواب. وتطالب العائلات بأن تضع «الهيئة الوطنية المستقلة للمفقودين» قائمة مركزية وشاملة بأسماء جميع الأشخاص المفقودين، ومنحها الموارد والصلاحيات اللازمة لتكون قادرة على تنسيق عمليات البحث عن المفقودين ودعمها والإشراف عليها، ومن ثم إبلاغ العائلات بما توصلت إليه، وأن تمتلك المهارات والموارد اللازمة لجمع المعلومات عن مواقع الدفن، أي المقابر الفردية أو الجماعية التي قد يكون دُفن فيها رفات أشخاص مفقودين.

يمكنكم متابعة بسام القنطار عبر | http://about.me/bassam.kantar