ضبّاط أو عناصر، لم تفرّق الأزمة الاقتصاديّة بين الرتب العسكرية، فمصائب البلد حلّت عليهم جميعاً من دون تمييز وباتت قيمة رواتبهم شبه معدومة لا تمكنّهم من تأمين أدنى متطلبات الحياة الأساسيّة

«ش.ف»، «ع.ب» و«س.أ»، حروف أولى لأسماء عناصر في قوى الأمن طالعتنا أخبار انتحارهم، في ثلاث مناطق مختلفة في لبنان، في الشهور الأخيرة. خسرتهم عوائلهم والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي وخسرهم الوطن في خلال السنتَين الأخيرتين. قد يكون الضغط المعيشي أحد الأسباب التي دفعتهم إلى إنهاء حياتهم، ورغم أنها فرضية، لكنها ليست بعيدة عن الواقع لأن «الموت» قد يكون معنوياً أحياناً، كما يعبّر القسم الأكبر من ضباط وعناصر قوى الأمن حالياً بسبب شعورهم بالعجز المادي تجاه عائلاتهم، أو بالإحباط تجاه مستقبلهم. منهم من وجد في الفرار من الخدمة سبيلاً ومنهم من لا يزال يتمسّك ببصيص أمل في تحسّن وضعه.

مساعدات هزيلة
صحيح أنّ الأزمة الاقتصادية مسّت حياة مختلف الأسلاك العسكرية، لكن يعتبر أفراد قوى الأمن الداخلي أنهم ينتمون إلى السلك الأكثر تضرّراً منها. يقول أحد العناصر: «منذ بداية الأزمة، ووضعنا يتّجه إلى الوراء ولا من يكترث بحالتنا، ففي حين يُؤمّن الدعم المادي لأفراد الأسلاك الأخرى، بالكاد يصلنا كقوى أمن بعض المساعدات المادية والغذائية كلّ بضعة أشهر». ويفنّد العنصر المواد الغذائية التي وصلته كمساعدة وهي عبارة عن معلّبات منوّعة، سكّر وأرزّ، لكنّها لا تكفي عائلة لمدّة شهر. ورغم أنّ أفراد قوى الأمن تلقّوا مساعدات مالية على دفعتَين خلال العام الحالي وسبقتهما دفعتان في خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي إلّا أنها تبقى غير كافية.
لذا يبحث معظمهم، لا بل ربّما جميعهم، عن عمل ثانٍ للتمكّن من الاستمرار. «الراتب أصبح يكفي فقط للتوجّه إلى الخدمة والعودة منها وتناول الطعام خلالها»، وفق ما يُشير ربيع. ويُضيف «أتوجّه بباص النقل العام إلى الخدمة، وأدفع يومياً 40 ألف ليرة مواصلات ذهاباً وإياباً، فماذا يبقى من راتبي؟ أشعر بأنني عاطل من العمل».
بالنسبة إلى فادي، الذي يتوجّه إلى الخدمة بواسطة الباص الخاص بقوى الأمن، يؤكد بدوره أنّه «على الرغم من ذلك، أدفع كلّ راتبي الذي يبلغ مليون وخمسمئة ألف ليرة بدل اشتراك الكهرباء».

الطبابة
تدنّي مستوى المعيشة شمل تراجع التقديمات الطبيّة ما شكّل عائقاً أمام دخولهم إلى المستشفى في حال الحاجة إلى ذلك. هذا الأمر نبّهت إليه نقابة أصحاب المستشفيات، في بداية العام الحالي، في بيان جاء فيه أنّ «معظم المستشفيات بات يتجنّب قبول عناصر قوى الأمن الداخلي أخيراً بسبب عدم تسديد المستحقات المتوجّبة عن طبابتهم من جهة، وتدنّي التعرفات المعتمدة من قبل المديرية من جهة ثانية».
وفي السّياق، يلفت ربيع، وهو أب لولدين، إلى التكاليف التي تكبّدها لعلاج ابنه الصغير بعد إصابته بفيروس، «دفعت راتبي بأكمله على تعرفة معاينة الطبيب لابني والأدوية اللازمة له، وبالتالي اضطررت إلى تجنّب الذهاب إلى العيادة مرّة أخرى لأنّه لم يعد بإمكاني دفع أيّ مبلغ قد يتوجّب عليّ». ويُضيف: «على الرغم من أنه باستطاعتي تقديم الفواتير إلى طبابة قوى الأمن لكنّ المبلغ الذي قد أستوفيه لن يوازي المبلغ الذي دفعته».

المحروقات
ورغم تخطّي اللّبنانيين في الوقت الراهن أزمة الطوابير على محطات المحروقات، غير أنّ الوضع لم يتغيّر بالنسبة إلى ضبّاط قوى الأمن تحديداً. الضابط وسام يشكو من الذلّ الذي يعيشه على المحطات، «قسم كبير منها لم يعد يقبل «بونات البنزين» التي نحصل عليها من المديرية، فيما القسم الآخر حدّد أياماً وأوقاتاً معيّنة لتعبئة الوقود لسياراتنا وهذا ما يتسبّب لنا بطوابير وساعات من الانتظار». لكنّ حلاًّ قريباً قد يرى النور مطلع الشهر المقبل إذ يجري الإعداد لقرار يسمح للضباط بتعبئة سياراتهم الخاصة بكميّة محدّدة من البنزين من المحطات العسكرية.

المتقاعدون
المأساة اليوميّة نفسها يعيشها متقاعدو قوى الأمن الذين وصل بهم الوضع المتردّي أخيراً إلى إعلان حال الطوارئ الصحية، إذ يقول العميد المتقاعد بسّام الأيوبي «لم يعد لراتبنا أي قيمة، كما وصلنا إلى مرحلة لم تعد فيها المستشفيات تستقبل مرضانا». يُضيف «تلقينا وعوداً بتحقيق مطالبنا وتحسين وضعنا، وتحويل 60 مليار ليرة لطبابة قوى الأمن، لكن ذلك لم يتحقّق حتى اليوم». لذلك، أكّد أنّ «تجمّع متقاعدي قوى الأمن سيستكمل تحرّكاته على الأرض حتّى تلبية المطالب».