لا يزال مفهوم «العام» غير واضح لدى كثير من اللبنانيين! لعّل ما يعزز «ضبابية» هذا المفهوم لديهم، هو الجهود التي بذلت في العقود المنصرمة لتكريس سياسة الاعتداء على العام والعمل على فصل الذاكرة الجماعية عن ما تعنيه المساحات العامة. من هنا كان التركيز على مفهوم «العام» والمساحات العامة وكيفية استعادتها وتفعيلها خلال مؤتمر «المساحات العامة: أزمات مستمرة»، الذي نظمته جمعية «نحن» أخيراً.


«هناك مفهوم سائد يختصر الفسحة العامة بالعقارات العامة»، تقول الأستاذة المشاركة في الجامعة الأميركية في بيروت منى فواز. وفي ظل عجز الدولة عن استملاك العقارات نتيجة ارتفاع ثمنها من جهة والانتشار «المستفحل» للعقارات الخاصة من جهة أخرى، تصبح الفسحة العامة شبه «مستحيلة» وغير واردة في الفهم الجماعي. خصوصاً أنه يجري التعامل مع العقارات الخاصة كـ»حقوق مقدسة» لا يسمح المساس بها، انطلاقاً من السعي «الدؤوب» لحماية مصالح المستثمرين و»اللهاث» وراءهم! إلا أن فواز تلفت الى المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه التنظيم المدني ويتمثل بـأن «استغلال العقارات الخاصة يجب أن يخضع للقوانين ذات الصلة وهي قوانين تحدّد طريقة استثمار الأراضي بشكل يراعي المصلحة العامة». وبالتالي فإن أصحاب العقارات الخاصة يترتب عليهم حماية الحق الاجتماعي العام، بمعنى آخر «صحيح أن العقار يخص مالكه لكن قد يكون لهذا العقار تاريخ يكون المواطن العادي جزءاً منه»، تقول فواز. وتستطرد أن هناك مسؤولية تقع على المخطط المدني والمشرّع لحماية الحق الاجتماعي العام، وان اي عمل يخرج عن هذا الإطار فإنه يسوّق للمدينة على أنه «مجموعة من العصابات العقارية المنغلقة».


المسؤولون يتعاطون مع المساحات
العامة وكأنها أملاك خاصة بهم

مسألة «المنغلقات» العقارية، التي تلفت اليها فوّاز، ليست بعيدة من الواقع الذي تعيشه المدينة، ذلك أن بيروت تشهد عملية «إفراغ « لسكانها (بشهادات كثير من مخاتير المدينة) بسبب الاستثمارات العقارية، التي اذا استمرت في هذا المنسوب لن يبقى لأهل المدينة مكان فيها، اضافة الى الاستيلاء على مساحاتها العامة. علمًا أن العام هو «هوية الجماعة، وعندما يكون العام في خطر ستكون هويتنا في خطر»، بحسب ما يقول المدير التنفيذي لجمعية «نحن» محمد أيوب، الذي يرى أن الهوية الحالية لابن بيروت «تصوره على أنه خادم مستقبلي عند الوحوش العقارية».
إذا، هناك سياسة مكرسة «تدللّ» الخاص على حساب العام. والمفارقة تكمن بأن «الملكية الخاصة يجب ألا تؤذي الحق العام ، بل وُجدت من أجل زيادة موارد الدولة وتفعيلها ضمن منظومة فكرية معينة»، وفق ما يقول المدير التنفيذي للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية، اضافةً الى أن المادة 15 من الدستور اللبناني تؤكد أنه يمكن نزع الملكية الخاصة لتحقيق المنفعة العامة. يعتبر صاغية أنه «لا يمكننا الفصل بين قضية الأملاك العامة والحرب الأهلية اللبنانية»، مشيراً الى أن «الاعتداءات الأوسع على المساحات العامة وعلى الشواطئ البحرية وضفاف الانهر حصلت خلال فترة الحرب»، يذهب الى أبعد من الأملاك العامة ويتعداها الى «رواسب» فهم العام في أذهان الللبنانيين. «ما الذي تبقى من فهم الناس للمؤسسات العامة والشركات المملوكة من القطاع العام؟»، يشير صاغية الى «الزبائنية» التي تتصرف بها هذه المؤسسات الشركات، ملمحاً الى ان «الزبائنية» ساهمت في تعميم عدم ثقة الناس بـ»العام» كمفهوم شامل. فكيف بهم أن يؤمنوا بالعام إذا كانت «الدولة تتعمد تهميش فكرة الملك العام وفكرة الاستعمال الحر له من قبل الجميع وتتذرع بالواقعية لكي لا تعمل على استعادة الأملاك العامة». يقول صاغية إن السلطات المتعاقبة لم تبذل جهودا لرفع أيدي المتعدين على الملك العام بعد انتهاء الحرب، بل اعتمدت سياسات تكرّس الاعتداءات على الأملاك العامة. فـ»المسؤولون يتعاطون مع المساحات العامة وكأنها أملاك خاصة بهم».
يستشهد صاغية بما يحصل في حرش بيروت، وكيفية تعاطي البلدية مع الحرش، لافتاً الى أنه يسمح للأجنبي الدخول الى الحرش بينما يمنع على اللبناني الدخول اليه»، وهو ما يعطي فكرة عما يعنيه العام في لبنان!
أهمية تعاطي البلدية مع المساحات العامة تعود الى الصلاحيات والدور الكبير الذي تستطيع لعبه في هذا المجال. يشير الدكتور أندريه سليمان الى امكانية البلدية تطوير وتعزيز المساحات العامة انطلاقاً من صلاحياتها المتعددة في هذا المجال بدءاً من مشاركتها في وضع المخططات التوجيهية وصولاً الى حقها بالتعاقد مع مالكي الأراضي لاستثمارها بشكل معين. فضلاً عن «سهولة « محاسبتها من جهة أخرى، كونها تنتخب مباشرة من الشعب وبالتالي هناك امكانية للضغط عليها. وعلى الرغم من أن قرارات البلدية يجب أن تكون علنية، يستغرب سليمان كيف لا ينطبق ذلك على أكبر بلدية في لبنان! أعضاء مجلس بلدية بيروت غائبون عن قضايا كهذه. «ربما يشعرون أنهم غير معنيين»، او ربما تتداخل المصالح والاهتمامات، فثمة من يعمل داخل البلدية في القطاع الخاص (شركات هندسة ودراسات هندسية ومقاولات وغيرها) وبالتالي قد لا يتخذ قرارات بمعزل عن مصالحه الشخصية!
تحضر قضية الاستيلاء على «الدالية- الروشة» بثقلها في مناقشة مفهوم «الحق العام» ومرتبته، وهو ما تجيد سرده الناشطة في «الحملة الأهلية للدفاع عن الدالية» عبير سقسوق، التي تشير الى تاريخ منطقة الروشة وكيفية استخدام شاطئها ورصيفها البحري عبر فترات زمنية مختلفة... وهو ما حوّلها في الواقع والذاكرة الجماعية إلى حيز عام بامتياز يتمتع بمزايا هائلة تُلزم السلطات بجعله قانونياً مكاناً عامّاً مفتوحاً للجميع. يشرح صاغية أن «الحق بالبيئة هو حق ولوج المواطن إلى الطبيعة»، مؤكداً أهمية قانون البيئة الصادر عام 2012 الذي يمنع، في المادة 33 منه، «القيام بأيّة أشغال تعرقل الولوج إلى السواحل»، ويفرض عقوبات بالسجن من شهر إلى سنة على كل من يخالف أحكامه. وهو ما يجعل مشهد السياج والأسلاك الشائكة عند الدالية- الروشة (باعتباره مكاناً طبيعياً للمواطنين الحق في الولوج اليه) مخالفاً للقانون يستلزم زج من وضعه بالسجن!
التركيز على قضية الدالية (كمثال) هو للدلالة على الوظيفة الاجتماعية التي شغلتها هذه المنطقة بالذات، والمكانة التي تشغلها في الذاكرة الجماعية لأهل المدينة، كي تكون مثالاً يحرّض على التحرّك لاستعادة الأملاك العامة. «قبل الدالية شي وبعدها شي تاني»، يقول صاغية، معلناً نية رفع دعاوى قضائية لاسترداد الحق العام، مؤكداً ضرورة القيام بتوثيق كيفية الاعتداء على الأملاك العامة وربطها بالعدالة الانتقالية واللجوء إلى «التقاضي الاستراتيجي»، ذلك أن هناك قوانين جيدة، برأيه، الا انها تفتقر الى الارادة السياسية لاحترامها وتطبيقها. من هنا تأتي الدعوة الى ضرورة الاستفادة من هذه القوانين لتكريس حق الولوج الى المساحات العامة والى الشاطئ من خلال رفع مجموعة من الدعاوى ضد بعض المعتدين، خصوصاً أن التحدي الأكبر الذي يواجهه المسؤولون هو كيفية التوفيق بين إيحائهم للرأي العام أنهم يحترمون الملك العام علناً والعمل على تحويله (الملك العام) الى مصالح شخصية في الخفاء. وظيفة اي حراك مدني ضاغط هو فضح زيف الايحاءات وجعل هؤلاء في مواجهة مع الناس الذين يدعون تمثيلهم!