يعاني مزارعو القمح كلفة إنتاج مرتفعة، وهي تزداد كلما ارتفعت أسعار القمح، وكلما تأخرت الدولة عن تسلّم المحاصيل. هذا الوضع لا يلخص مشاكل دعم القمح، ولا يبرّر العمليات التجارية التي تجرى على هامش الدعم. فوزارة الاقتصاد تتأخر في تسلّم الكميات، ما يدفع المزارع إلى بيع محصوله للتجار بأسعار أقل من أسعار الوزارة، وهو الأمر الذي سيساعده على استرداد أمواله نقداً. وعلى هامش هذه العملية ثمة الكثير من الممارسات الملتوية التي لا هدف لها سوى «الغرف» من الدعم، سواء من طريق التلاعب بالأوزان وتصنيف الإنتاج وشراء الكميات من المطاحن وبيعها للوزارة!


أمس، لوّح مزارعو القمح في أقضية البقاع الاوسط والغربي والشمالي وراشيا، بتصعيد تحركاتهم «احتجاجاً على الاهمال والتمييع الرسمي الذي يحجم عن اطلاق الية تسلم محصول القمح لهذا الموسم». سيعمد المزارعون، كما هددوا في بيانهم، إلى إقفال الطرقات الرئيسية والدولية للضغط على وزارة الاقتصاد وإجبارها على تسريع تسلم القمح. فمشكلة التسلّم ليست عادية كما يرونها، بل هي «وجه الصحارة» بالنسبة إلى زراعة القمح على نحو عام. هذه الزراعة تتركّز في البقاع بنسبة 75% من المساحات المزروعة بالقمح في لبنان، أي نحو 112 ألف دونم من أصل 150 ألف دونم. وبالتالي فإن هذه المساحة تجعل البقاع مسرحاً للعدد الأكبر من محاولات «الغرف» من مال الدعم. هناك، يعاني المزارع ارتفاع كلفة الإنتاج في ضمان الأرض المرتبطة بارتفاع اسعار القمح، وكلفة الأسمدة. باختصار، أموال الدعم لا قيمة لها بين هؤلاء، لأنها تذوب بين أيدي التجار.


ربح المزارع من
دونم القمح لا يتجاوز 55 ألف ليرة


يشير المزارع عبدو أحمد إلى أن كلفة زراعة دونم واحد من القمح تصل إلى 420 ألف ليرة، وهذه المساحة لا تنتج أكثر من 500 كيلوغرام قمح في الموسم الطبيعي. والمفارقة أن الدولة تشتري محصول الدونم الواحد بقيمة 275 ألف ليرة، فيما يبيع المزارع التبن الناتج من الدونم بقيمة 200 ألف ليرة، ما يعني أن إيرادات المزارع تبلغ 475 ألف ليرة، في مقابل كلفة تبلغ 420 ألف ليرة، وبالتالي فإن ربحه يصل إلى 55 ألف ليرة من الدونم الواحد.
هذه الحسابات تقاس على أساس إنتاج وسطي للدونم الواحد في الأيام الطبيعية، لكن هذا الموسم، ووفقاً لعدد كبير من المزارعين، فإن انتاج الدونم لم يصل إلى 400 كيلوغرام من القمح، ما يعني أن المزارع قد يتكبد نحو 40 دولارا كخسارة.
أما أسباب تدنّي المحصول، فهي مرتبطة بالتبدلات المناخية وقلّة المتساقطات، فضلاً عن نوعية البذار الوطني التي لا تضاهي نوعية البذار الايطالي المعروفة باسم «السارغولا»، التي تنتج 900 كيلوغرام في الدونم الواحد. فبحسب أحمد فإن «بعض المزارعين اشتروا البذار الايطالي، أما باقي المزارعين، فلا يمكنهم شراء هذا النوع من البذار، لأن سعره مرتفع».
وليست كمية الإنتاج وحدها هي ميزة هذا النوع من البذار، إذ يشير المزارع عبد الحليم المجذوب إلى أن نسبة البروتيين في القمح الايطالي تصل إلى 12%، فيما لا تتجاوز 10.5% في القمح المنتج محلياً. لذا، يرى المجذوب وغيره من المزارعين، أن الدعم الاساسي يجب أن يصبّ في تأصيل البذار أو دعم استيراده، لتصبح الزراعة مجدية وتمنح المزارع حافزاً لتوسيع الانتاج. وإذا اعتمد بذار «السارغولا» في لبنان، فإن مجمل الكميات المنتجة محلياً ستزيد بمعدل 1.8 مرة.
غير أن مشاكل هذه الزراعة لا تقتصر على معادلات الأسعار والأكلاف، فالدولة تشتري المحصول بأسعار مدعومة، وبما أنها تتأخّر عن تسلّم الكميات من المزارع، يضطر الأخير إلى بيع المحصول للتجّار بأسعار أقل من أسعار الدولة، وهذا يؤمن له تحصيل أمواله سريعاً ويمنحه القدرة على سداد أكلاف الإنتاج.
بعض المزارعين يخاطرون في انتظار تسلّم الموسم، لكن تبيّن لهم أن الانتظار يزيد كلفة الإنتاج. فراس حرب زرع 200 دونم قمح في سهل البقاع الغربي، لكنه يدفع أكلافاً إضافية لنقل المحصول من الحقل إلى المستودعات المستأجرة لتكديسها حتى التسلّم «كأنه لا يكفينا المشاكل التي تواجهنا اثناء تسجيل المساحات المزروعة».
أحد المزارعين يكشف عن شراء بعض التجّار القمح المدعوم من المطاحن بسعر 325 ليرة للكيلوغرام الواحد، ثم يبيعونه لوزارة الاقتصاد بسعر 500 ليرة. مزارعون آخرون يتحدثون عن نقص في الكميات الموزونة سابقاً لتصبح عند التسليم أقل بنحو طن أو اثنين. أما مشكلة المشاكل، فهي عندما يجري تصنيف الكميات، فالنخب الأول سعره مختلف عن النخب الثاني وعن النخب الثالث، لكن التصنيف يخضع للجنة تخمين لا تقوم بعملها بطريقة سهلة، وأحياناً يضطر المزارع إلى أن «يحفّز» التخمين بطرق ملتوية.
إزاء ما يجري، يطالب بعض المزارعين برفع الدعم عن القمح أو إبقاء الدعم بعد إقرار آليات توقف الفساد في هذا المجال، إضافة إلى دعم البذار والأسمدة.