لم يهدأ باسم شيت (34 سنة) منذ عشر سنوات. كان في كل مكان، يناضل ويحاضر ويدوّن ويمشي ويعتصم ويشارك في كل مناسبة تنادي بحقّ، بدءاً مع جمعية «صامدون» التي انطلقت بهدف دعم صمود المدنيين خلال عدوان تموز 2006، وصولاً إلى مشاركته مع مجموعة يسارية شابّة في «التجمّع اليساري من أجل التغيير» وإصدار «المنشور»، وهو نشرة ماركسية ثورية، علماً أنّه المدير التنفيذي لمجموعة «دعم لبنان» منذ عام 2007، ويحمل شهادة في المعلوماتية من «جامعة البلمند» عام 2002.


تحوّل «المنشور» أو «المنتدى الاشتراكي» كما سُميّ في ما بعد الى نشرة إلكترونية. كانت آخر مقالة لباسم على الصفحة بعنوان «اليسار الميكانيكي والثورة» وختمها بجملة تشبه الوصيّة أو صارت تشبهها بعد رحيله، قائلاً: «المهمة الاكثر ضرورة اليوم هي الابتعاد من الثرثرة الشعبوية، والعمل على بناء التنظيم الثوري وتجهيزه سياسياً وفكرياً وعملياً لمواجهة الواقع الذي نعيشه والتحضير للمواجهات القائمة، وليس إلى تحويل الطبقة العاملة إلى جماهير من المصفقين لرجعية وتطرف البرجوازية الصغيرة، وبطش وفاشية البرجوازية الحاكمة!».
آخر ما نشره على فايسبوك آراء يشترك مع أصحابها برفض الحرب الجديدة على العراق وسوريا، وبرفض منطق أنّ صانع «داعش» أتى ليخلصنا منها، وتذكير بأن كل طرح يدعو الى تحرير فلسطين ولا يتطرق الى ضرورة اسقاط الأنظمة العربية الحاكمة هو طرح كاذب.
أول من أمس، وصل الخبر الأسود. تسرّب طبعاً على صفحات الشؤم، على فايسبوك، «توفي باسم شيت منذ قليل بسكتة قلبية». بالرغم أنه لم يعدْ مستغرباً أن يرحل أحد باكراً في هذا البلد، خصوصاً إذا كان السبب ذبحة قلبية، إلا أنّه لا بدّ من وقع الصدمة. بعض الأصدقاء أعادوا السؤال أكثر من مرة: كيف ومتى؟ لا يريد أحد أن يصدّق، انطفأت تلك الطاقة الكبيرة وذهبت معها الحنجرة التي لطالما صدحت في مسيرات بيروت.
لماذا كل هذا التعب يا باسم؟ لماذا أتعبت قلبك؟ هل كنّا نستحق منك كل هذا الجري؟
لا مكان ولا مناسبة إلّا وظهر، كان بعضهم يتضايق من راديكاليته، لكن التطرّف في الآراء لا يعني أن تكون الآراء خاطئة. نحن فقط تعوّدنا التسويات والحلول الوسطى والمسايرة التي لا تنتج إلا من تراكم مشاكل أكبر وأضخم.
هل كان يستحقّ هذا البلد وشعبه كل هذا التعب والصراخ؟ تارة من أجل إٍسقاط النظام الطائفي، وأخرى من أجل دولة مدنية وانتخابات حرّة، وحقوق مدنية وحقوق المرأة وحقوق المثليين وحقوق الشعوب العربية في أن تقوم وتثور.
منذ أيام وتحديداً في 12 أيلول (سبتمبر) الماضي، احتفل باسم بعيده الخامس والثلاثين. وأمس رافقه أصدقاؤه ورفاقه الى مثواه الأخير في كفركلا. وغداً ستفتقده جلسات النقاش والجدال الحامية وساحات الاعتصام، ولكن لن يتغيّر شيء، ربما لو عرفنا أنه سيرحل باكراً، لكنّا طلبنا منه أن يستمتع بدنياه أو أن يهاجر، أو أن يعفي نفسه من النضال من أجل أي تغيير، مع أنّنا على يقين بأن باسم العنيد لن يقبل ولن يرتاح.