المناقصة التي أطلقتها هيئة إدارة السير والآليات والمركبات في لبنان لتلزيم مشروع «رخص سوق ورخص سير المركبات الآلية ولاصقات إلكترونية ولوحات التسجيل الآمنة وبرامج مكننة مصلحة تسجيل السيارات الآلية»، أثارت استغراب الخبراء والمتابعين نظراً إلى انطوائها على العديد من الشوائب والبنود الفضفاضة والاستنسابية في دفتر الشروط، فضلاً عن مهلة تقديم العروض القصيرة التي يشتمّ منها رائحة «مناقصة مفصّلة على القياس».
في 16 تشرين الأول الماضي، أطلقت هيئة إدارة السير مناقصة تجمع خمسة مشاريع: إصدار رخص سوق بيومترية، رخص سيارات، لاصقات إلكترونية للسيارات، تصنيع وتركيب لوحات تسجيل آمنة، ونظام مكننة أعمال مصلحة تسجيل السيارات والآليات. ووفق إعلان الهيئة المنشور في الجريدة الرسمية، فإن تسليم العروض باليد إلى قلم الهيئة ينتهي في 31 تشرين الأول ويجري فضّ العروض في 1 تشرين الثاني. هذا يعني أنه كان أمام الشركات المهتمة، مهلة 13 يوم عمل فقط لتقديم عروضها، وأن عليها تحضير عشرات المستندات القانونية والفنية والإدارية التي تؤهلها للمشاركة في المناقصة، فضلاً عن قراءة دفتر شروط مؤلف من 186 صفحة وتسعير البنود بطريقة تؤمن لها التنافسية مع باقي العارضين.

هذه الخطوة أثارت استياء الشركات المهتمة، فيما شكك النائب زياد أسود بالمهلة القصيرة ليستنتج أنه «لا يمكن لأي عارض الالتزام بالفترة المحددة في دفتر الشروط إلا إذا كان بالفعل قد اطلع أو بالأحرى شارك في إعداد دفتر الشروط»، مشيراً إلى أنه «لا يوجد طابع للعجلة لتبرير هذه المهلة»... فاضطرت هيئة إدارة السير إلى أن تمدّد مهلة تقديم العروض لفترة أسبوع كامل.

دمج المشاريع
الخمسة ينطوي على مخاطرة كبيرة

إلا أن تمديد المهلة لم يلغ العديد من الملاحظات على دفتر شروط المناقصة. أبرز الشوائب التي وردت في الدفتر تكمن في دمج خمسة مشاريع ضخمة في مناقصة واحدة من دون تبريرات واضحة، وخصوصاً أن مناقصة تلزيم «لوحات التسجيل الآمنة» أطلقت في السنة الماضية، ثم علقت بعدما تبيّن أن دفتر الشروط تعتريه شوائب كانت قد أشارت إليها إدارة المناقصات لدى دراسته، وهي توحي بأنه مفصّل على قياس إحدى الشركات. لكن هيئة إدارة السير قرّرت ضمّ تلزيم لوحات التسجيل إلى المناقصة الحاليّة المدموجة، بذريعة أن «لوحات التسجيل الآمنة تشكل جزءاً متمماً لمشروع رخص السوق ورخص السير واللاصقات الإلكترونية» كما ورد في ردّ وزير الداخلية نهاد المشنوق على النائب أسود.
وقد أثارت هذه الخطوة أسئلة عديدة: فلماذا تكون هيئة إدارة السير هي الجهة التي تطلق المناقصة بدلاً من أن تجري عبر إدارة المناقصات؟ وهل أخذت الهيئة بملاحظات إدارة المناقصات على دفتر الشروط؟
في الواقع، إن إدارة المناقصات أبلغت وزير الداخلية في حينه، مروان شربل، أنها هي الجهة المختصة بإجراء صفقة تلزيم لوحات تسجيل السيارات، ثم سجّلت ملاحظاتها على دفتر الشروط الذي يتضمن منح لجنة التلزيم صلاحيات استنسابية واسعة لإعطاء الموافقة أو رفض المستندات التي تقدمها الشركات العارضة. اللافت أن دفتر شروط المشاريع الخمسة، تضمن أيضاً بنوداً استنسابية يمكن للجنة التلزيم أن تفسّرها بطريقتها الخاصة من دون وجود معايير محدّدة تتيح تقويم ملفات الشركات العارضة. فهناك علامات ستمنح لكل شركة على أساس «جودة» المنتج، فيما ليست هناك معايير تحدّد معايير هذه الجودة، وهناك علامات على «فعالية الهيكلية»!
يرى بعض الخبراء والمتابعين يرون أن دمج المشاريع الخمسة ينطوي على مخاطرة كبيرة ولا سيما أن التلزيم يمتدّ على سبع سنوات متواصلة، وأن قيمة التأمين المفروضة على الشركة الملتزمة محدّدة بـ10% من قيمة العرض الإجمالية، أي ما يوازي 10% من قيمة المشروع لفترة سنة واحدة، وهذا يجعل المخاطرة أعلى في مناقصة معدّة لاستقطاب شركات عالمية تشترك مع الشركات المحلية في توريد الخدمات التي تريدها الإدارة اللبنانية. أليست مخاطرة أن يجري تلزيم كل هذه الأعمال لجهة واحدة؟
ومن أبرز المسائل الحسّاسة في هذه المناقصة، أن دفتر الشروط يحمل تناقضات واضحة مخالفة لمبدأ الشفافية. ففي بداية دفتر الشروط، يشار إلى أن جلسة فضّ العروض ستكون علنية عند العاشرة صباحاً، لكن في الصفحة الثامنة عشرة، يتبيّن أن «المعلومات الخاصة بفحص وتوضيح وتقييم ومقارنة العروض والتوصيات بإرساء التلزيم تبقى سريّة ويجب عدم الإفصاح عن مداولات اللجنة خارج جلسة التلزيم». وبالتالي، ليس واضحاً لماذا إحاطة كل ما يرد في جلسة فضّ العروض بالسرية، فيما مبادئ الشفافية تفرض على الجهة الملزّمة أن تعلن أسباب قبول العروض ومبررات رفض العروض الباقية، وخصوصاً لجهة التسعير ولجهة البنود الفضفاضة التي أعطيت لجنة التلزيم صلاحيات استنسابية واسعة في تفسيرها والحكم عليها مثل «الجودة» و«الفعالية» واستيضاح العارضين عن عروضهم أيضاً.
ومن أبرز الملاحظات التي يشير إليها الخبراء، أن دفتر الشروط لا يشير بوضوح إلى الإجراءات والتدابير التي ستفرض على المتعهد لجهة التزام سريّة المعلومات. صحيح أن المادة 34 من دفتر الشروط تشير إلى سرية المعلومات، لكنها لا تحدّد المعايير والضوابط التي ستطلبها الدولة اللبنانية من الملتزم في سياق تقيّده بسرية المعلومات المتصلة ببصمات حاملي رخص السوق ورخص السير وبمالكي الآليات وحركتهم.