فيما فشل البرلمان اللبناني، وعلى مدى ستة أشهر، في انتخاب رئيس للبلاد، الا انه نجح في التمديد لولايته للمرة الثانية خلال خمسة عشرة شهراً، ما أظهر مجدداً مدى تجاهله للمهل الدستورية. أما التبريرات اللوجستية والأمنية لعدم اجراء الانتخابات فهي غير منطقية على الإطلاق. في الواقع، يبدو أن الأحزاب السياسية المهيمنة منشغلة جداً كي تضيّع وقتها في تنظيم حملة انتخابية أو أنها خائفة جداً من النتائج. ولكن هذا بالضبط ما تنطوي عليه الانتخابات: تحديد الفائز بعد التصويت وليس قبله.


لقد صُممت الانتخابات النيابية في لبنان بطريقة تسمح بمعرفة النتائج مسبقاً في معظم المناطق ومن خلال وسائل مختلفة: تفصيل قانون انتخابي كل أربع سنوات لضمان إعادة انتخاب هؤلاء الذين صمموه، الاعتماد على المحسوبية وشراء الأصوات، واللجوء إلى الخطاب الطائفي الذي يعبئ الدوائر الانتخابية على أساس الخوف من الطوائف الأخرى، لا سيما في المناطق المتجانسة. في الواقع، من خلال استخدام هذه الأدوات بالذات، نجح السياسيون في مساعيهم لإعادة انتخابهم كل أربع سنوات.
للأسف، مع مثل هذا النظام، لا يملك السياسيون أي حافز لوضع السياسات الوطنية التي تخدم الشعب. في الواقع، لقد أتقنوا النظام الى حدّ يسمح لهم بالحصول على أقصى ما يمكن لأنفسهم والقليل القليل لدوائرهم الانتخابية. فمن أصل مئتي قانون أقرّهم البرلمان منذ عام 2010، الكثير منها يقتصر على القضايا الإدارية والاتفاقات الدولية مع الجهات المانحة أوالدول، أو سلفات الخزينة. فالنقاش السياسي حول القضايا الاجتماعية التي تهم المواطنين محدود جداً.
قاموا بدفن قضايا مهمة داخل اللجان النيابية، مثل الوصول الى المعلومات وتصحيح الأجور. وعندما يشرعون، في بعض الحالات، بالكاد يعتمدون على البيانات والمعلومات، كما كانت الحال عندما مُرّر قانون الإيجارات. والجهود التي يبذلونها كي يظهروا أنهم يعملون من أجل المصلحة العامة، مثل التحويلات النقدية أو الدعم الطارئ للمناطق التي تفيض فيها المياه مثلاً، هي في الواقع محاولة لتقديم الحد الأدنى من المساعدة لإسكات الشعب. لم يكتف البرلمان بعدم إصدار التشريعات الكافية وسن السياسات في مصلحة الشعب فحسب، بل يبدو أنه لا يرغب حتى في مساءلة الحكومة. لم توضع الموازنة العامة منذ عام 2005 لكن يبدو أن المشرعين غير مهتمين إطلاقاً بكيفية إدارة الأموال العامة.
للأسف، لا تقتصرالفوضى السياسية على السلطة التشريعية. فالسلطة التنفيذية التي عُهد بها إلى مجلس الوزراء مبعثرة بحيث يستحيل على مجلس الوزراء أن يحكم بفعالية. في الواقع، تعود جذور المشكلة الى اعتماد اتفاق الطائف، عندما كان الهمّ الأول والأساسي ضمان التمثيل الطائفي في عملية صنع القرار على الصعيد التنفيذي. إلا أن هذه المسألة لم تتّضح تماماً إلا بعد الانسحاب السوري عام 2005، حيث كانت سوريا تتحكم بالنظام السياسي في لبنان على مدى سنوات.
من خلال المؤسستين، التشريعية والتنفيذية، نجحت النخبة السياسية في السيطرة على البلاد. في الواقع،

0.3 ٪ من السكان
في لبنان يسيطرون على 52٪ من الثروة



تراوح عمل هاتين المؤسستين بين الشلل والجمود عند وقوع الخلافات بين الأطراف الرئيسية من جهة، والتواطؤ على حساب المواطنين عند الاتفاق في ما بينها من جهة أخرى. وتحت رعاية هاتين المؤسستين، تمكّن المستفيدون من هذا النظام من تركيز الثروة في أيدي القلة. وفقاً لمسح جرى أخيراً، تبيّن أن تسعة آلاف شخص، أو 0.3٪ من السكان في لبنان، يسيطرون على 52٪ من ثروة لبنان. بعبارة أخرى، 99.7٪ من المواطنين يتقاسمون حصة 48٪ المتبقية. علاوة على ذلك، فقد تقلصت حصة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 35٪، ما يزيد من عمق الهوّة وعدم المساواة في الدخل. وعلى الرغم من الخطاب الطائفي السائد، يبدو أنّ هاتين المؤسستين، المختبئتين وراء المحاصصة الطائفية، تعملان بشكل فعال عندما يتعلق الأمر بمصالحها الاقتصادية المشتركة. لوضع الأمورفي نصابها، لن يكون لتنظيم الانتخابات النيابية في هذه الآونة أي تأثير على رفاهية المواطنين. فهي لن تفيد إلا في إعطاء مظهر من مظاهرالحياة الطبيعية غير الموجودة أصلاً. هذا لا يعني أنه لا ينبغي تنظيم الانتخابات، بل على العكس. لبنان بحاجة الى إجراء انتخابات ذات معنى، حيث لا تكون النتائج معروفة سلفاً، وحيث يجري الاقتراع من خلال نظام التمثيل النسبي الذي يسمح لأحزاب جديدة بالانضمام إلى عملية صنع السياسات. نحن بحاجة إلى برلمان يعطي الأولوية للسياسات الوطنية عوضاً عن انشغاله بشراء الولاء السياسي من خلال المحسوبية. نحن بحاجة إلى سلطة قضائية قوية وفعالة تحمي حقوق الأفراد حتى لا يبقوا أسرى الخدمات التي يقدمها الزعماء السياسيون، وحتى يكونوا مواطنين بكل ما في الكلمة من معنى وليس مجرد زبائن. نحن بحاجة إلى مؤسسات تسعى الى تقليص الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين الأغنياء والفقراء، لأن الطائفية تخدم فقط للتعتيم على المصالح الاقتصادية والمالية الحقيقية التي تتمتع بها النخبة السياسية. نحن بحاجة إلى أحزاب سياسية جديدة وديمقراطية تقوم بمساءلة الحكومة، والى نقابات مسؤولة وجدية ومنظّمة، تخدم مصالح العمال.
فمن خلال المنافسة الحقيقية والنقاش حول القضايا العامة، يمكن أن تصاغ السياسات التي تخدم المواطنين. والتمديد لمجلس النواب هو خطوة إضافية باتجاه إبعاد لبنان من أية إصلاحات فعلية، مما يعرّض النظام السياسي للإفلاس والشلل.
* المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات