«إذا كنتم تعتقدون أن فصل الصيف حار بالفعل، ففكروا مرة أخرى. من المرجح أن يصبح الصيف أكثر حرارة». هكذا علقت خبيرة الاقتصاد البيئي لدى البنك الدولي ماريا صراف على مدونتها، إثر إعلان تقرير جديد للبنك يرسم صورة قاتمة جداً ومقلقة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. الحرارة سترتفع أقل بقليل من درجتين مئويتين (فوق مستواها قبل الثورة الصناعية) في غضون السنوات المقبلة حتى عام 2050. وهذا سيخلق ضغوطاً إضافية هائلة على المحاصيل الزراعية وعلى الموارد المائية النادرة أصلاً، مع احتمال كبير لأن يؤدي ذلك إلى تزايد الهجرات ومخاطر نشوب الصراعات.


المقيمون في لبنان بدأوا يتلمسون مخاطر التغيّر المناخي وآثاره على حياتهم وصحّتهم ومواردهم: تقلبات الطقس غير اعتيادية، درجات حرارة مرتفعة في عزّ كانون، تساقط أقل للأمطار، وثلوج أقل، وبالتالي شحّ في المياه. بمعنى ما، صار فصل الشتاء أقصر وفصل الصيف أطول، تتخللهما ظواهر طبيعية متكررة لم تكن تقع إلا في أوقات متباعدة. يبدو أن الاستثناء في طقس لبنان المعتدل بدأ يتحوّل إلى نمط دائم، وهو ما يحذّر منه البنك الدولي بإشارته إلى أن بيروت ستشهد ١٢٦ يوماً حاراً سنوياً لتحلّ بعد الرياض مباشرة على قائمة الدول العربية التي ستشهد ازدياداً في عدد أيام السنة الحارة.

المخاطر الإقليمية

بحسب التحذيرات التي أطلقها البنك الدولي في تقريره الدوري الأخير تحت عنوان «اخفضوا الحرارة: مواجهة الواقع المناخي الجديد». لا تنحصر المخاطر المناخية في الأثر المباشر بلبنان، بل تتعداها إلى المخاطر الإقليمية الهائلة وتداعياتها على جميع بلدان الإقليم، فالزيادة الكبيرة في موجات الحرارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «ستخلق ضغوطاً حادة على الموارد المائية وتنجم عنها عواقب ضخمة على الأمن الغذائي للمنطقة». وفي بلدان مثل الأردن ومصر وليبيا، قد تنخفض غلة المحاصيل نحو 30 في المئة مع ارتفاع الحرارة ما بين 1.5 درجة ودرجتين بحلول عام 2050، وبنسبة 60 في المئة مع ارتفاع الحرارة 4 درجات في نهاية هذا القرن.
يشير التقرير إلى أن عدد الكوارث الطبيعية زاد في مختلف أنحاء العالم الضعف تقريباً منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنه زاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ثلاثة أضعاف تقريباً. وخلال السنوات الأخيرة، كانت الفيضانات ونوبات الجفاف مدمرة للمنطقة، ما سبب نقصاً شديداً في المياه، وخسائر اقتصادية، وآثاراً اجتماعية سلبية، فضلاً عن العديد من الوفيات. كذلك كانت الزلازل ثاني أكثر الكوارث وقوعاً في المنطقة، وقد أثرت بحياة الناس ومصادر الرزق. وعلى الرغم من تراجع مخاطر الوفاة الناجمة عن الفيضانات عالمياً منذ عام 2000، إلا أنها ما زالت في تزايد مطّرد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ زاد عدد السيول والمتضررين بها أو من يقتلون بسببها بمعدل الضعف خلال السنوات العشر الماضية.

ستشهد بيروت 126
يوماً حاراً في السنة


ضغوط هائلة على محاصيل الزراعة وموارد المياه

في كتابه الشهير «مدار الفوضى - تغير المناخ والجغرافيا الجديدة للعنف»، رأى الخبير الأميركي كريستيان بارينتي «أن التأثيرات الاجتماعية لتغير المناخ موجودة مسبقاً، وتعبّر عن نفسها من خلال أزمات موجودة من الفقر والعنف، اللذين نجما عن عسكرة الحرب الباردة واقتصاد الليبرالية الجديدة»، شارحاً أن «التكيّف في عالم الجنوب يكون على شكل مطامح عرقية وتعصب ديني وتمرد وقطع طرق وتجارة مخدرات وحروب صغيرة على الموارد، كالمناوشات اليائسة على الماء والقطيع... أمّا في عالم الشمال، فتظهر أزمة متعددة الطبقات على شكل قارب نجاة مسلح: استعدادات لمكافحة عمليات تمرد مفتوحة، وحدود مسلحة، ومراقبة عدائية ضد المهاجرين، وانتشار رئيس لكره الأجانب اليميني».
يتفق تقرير البنك الدولي مع ما ذهب اليه بارينتي، ولكن لأسباب أيديولوجية لا يقول الحقائق كما هي، ولا يربط النتائج المحتملة بالنمط الاقتصادي الرأسمالي.

تراجع المحاصيل الزراعية

يحلل التقرير الآثار المحتملة للوضع الحالي، (ارتفاع محقق حتى الآن بمعدل 0.8 درجة مئوية وارتفاع متوقع للحرارة بمعدل درجتين مئويتين حتى عام 2050 و4 درجات مئوية حتى نهاية القرن)، على الإنتاج الزراعي والموارد المائية والخدمات الإيكولوجية وأوجه ضعف السواحل في أنحاء منطقتي أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأجزاء من منطقة أوروبا وآسيا الوسطى. وهو يبني على تقرير البنك الدولي 2012 الذي خلص إلى أنّ حرارة العالم سترتفع 4 درجات مئوية عن مستواها قبل الثورة الصناعية بنهاية هذا القرن إن لم نتخذ تدابير منسقة على الفور.
يكشف التقرير الذي أعده معهد بوتسدام لبحوث آثار المناخ والتحليلات المناخية، كيف أن ارتفاع درجات حرارة العالم سيعرض صحة أشد فئات السكان ضعفاً وموارد رزقهم لمخاطر متزايدة ويزيد بدرجة كبيرة من المشكلات التي تكافح كل منطقة للتغلب عليها اليوم. والتهديد المشترك في المناطق الثلاث هو المخاطر التي تمثلها موجات الحرارة. إذ تظهر النماذج المناخية الحديثة أن موجات الحرارة المتطرفة «غير العادية للغاية»، كما حدث في الولايات المتحدة عام 2012 وفي روسيا عام 2010، تزداد بسرعة عند ارتفاع الحرارة 4 درجات مئوية. ويكشف أيضاً أن مخاطر تراجع غلة المحاصيل وفقدان الإنتاج في المناطق محل الدراسة تزيد سريعاً مع ارتفاع الحرارة 1.5 درجة ودرجتين مئويتين. ويشير التقرير إلى أن التراجع في الإنتاج الزراعي سيكون له آثار أيضاً خارج مناطق الإنتاج الرئيسية، حيث ستكون هناك تبعات قوية على الأمن الغذائي، وربما أثر سلباً في النمو الاقتصادي والتنمية، والاستقرار الاجتماعي والرفاه.

شحّ المياه

تُعَدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر منطقة في العالم شحاً في موارد المياه. ويبلغ نصيب الفرد من المتاح من الموارد المائية المتجددة بوجه عام أقل من ألف متر مكعب في السنة (باستثناء عدد قليل من البلدان)، ويقل هذا المعدل إلى 16 متراً مكعباً للفرد في الإمارات العربية المتحدة. ومقارنةً بالمكسيك، نجد أن نصيب الفرد يبلغ 3500 متر مكعب في السنة، و4500 في بلدان منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ، و9000 متر مكعب في الولايات المتحدة الأميركية.
ومن المتوقع مع الوقت تراجع معدلات سقوط الأمطار في منطقتي المشرق والمغرب العربي. وسيؤدي هذا التراجع وما يصاحبه من زيادة في معدلات التبخر إلى المزيد من الجفاف. ومن الموقف الحالي حيث نجد معاناة شديدة بسبب ندرة المياه والأراضي الصالحة للزراعة، فإن كلاً من سيناريو الدرجتين المئويتين وسيناريو الأربع درجات مئوية سيضع المزيد من الضغوط على موارد المياه والزراعة. وسيؤدي تراجع معدلات سقوط الأمطار وزيادة درجات الحرارة إلى تقليل فترة نمو بعض المحاصيل.
تقوم المناطق الجبلية في المغرب والجزائر ولبنان وسوريا والعراق وإيران وتركيا بدور مهم في إمدادات المياه في المنطقة، نظراً إلى أنها تختزن جزءاً من مياه الأمطار في صورة ثلوج. ومع التراجع المتنبأ به في كمية سقوط الثلوج ومخزون المياه في صورة ثلوج، سيتراجع أيضاً المتاح من المياه.
ويحذر التقرير من أن موجات الحرارة المتطرفة ستنتشر في مساحات أكبر من الأراضي ولفترات زمنية أطول، ما يجعل بعض الأجزاء غير صالحة للسكن ويحدّ من قدرة أجزاء أخرى على الزراعة. وستشعر المدن بأثر ارتفاع مستوى سطح البحر. ومع ارتفاع الحرارة 4 درجات مئوية (قد يحدث هذا في ثمانينيات هذا القرن إن لم تتخذ تدابير لكبح وتيرة تغير المناخ)، ستواجه معظم عواصم المنطقة أربعة أشهر من الحرارة المفرطة كل عام.
يحذر التقرير أيضاً من أنه إذا استمر الاحترار الحالي دون أي تدابير لوقفه، قد يثير هذا تغييرات لا تُمحى على نطاق واسع. وفي شمال روسيا، سيهدد الموت التدريجي للغابات وذوبان المنطقة الدائمة التجمد بزيادة الاحترار العالمي مع إطلاق الكربون والميثان المختزنين إلى الغلاف الجوي، ما يخلق دائرة مغلقة من الارتفاع الذاتي للحرارة. وقد تزيد انبعاثات الميثان ما بين 20 و30 في المئة في أنحاء روسيا عند ارتفاع الحرارة درجتين مئويتين بحلول عام 2050.
يقول التقرير إن الأنهار الجليدية تتراجع في جبال الأنديز بأميركا الجنوبية وفي جبال آسيا الوسطى. ومع تزايد حرارة العالم، سيؤدي ذوبان الأنهار إلى تدفق مزيد من المياه إلى المزارع والمدن في وقت يسبق موسم الزراعة ويزيد من مخاطر الفيضانات المدمرة. لكن في غضون عقود قليلة ستتحول مخاطر الفيضانات إلى مخاطر جفاف. فمع غياب أي تدابير لوقف ظاهرة تغير المناخ، سيختفي بنهاية القرن معظم الأنهار الجليدية في الأنديز وثلثاها في آسيا الوسطى. ويحذر التقرير من أن المحيطات (التي امتصت حتى الآن نحو 30 في المئة من جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناشئة عن أنشطة بشرية) ستشهد زيادة في معدلات الحموضة ودرجات الحرارة، ما يؤدي إلى تدمير الأنظمة الإيكولوجية للشعاب المرجانية حيث تزدهر الحياة البحرية ويدفع أسراب الأسماك إلى الهجرة إلى مياه أكثر برودة. وقد تكون نتائج ذلك في البحر الكاريبي فقدان ما يصل إلى 50 في المئة من إجمالي ما يُصطاد من الأسماك.

الحدّ من استخدام الوقود الأحفوري

للحدّ من تغير المناخ، يوصي التقرير بوضع سعر مرتفع على الكربون، والحدّ من الدعم الحكومي للوقود الأحفوري الذي يسبب أضراراً، وزيادة الاستثمارات لزيادة كفاءة استخدام الطاقة وفي الطاقة المتجددة، وتشجيع الزراعة الذكية التي تراعي الظروف المناخية، وبناء مدن قليلة الانبعاثات الكربونية وقادرة على مجابهة تغير المناخ. ويبرز التقرير تجارب للتكيف ناجحة في المنطقة مثل قيام اليمن بزيادة محاصيله الزراعية من خلال تطوير أنواع البذور المحلية المستخدمة، واستثمار المغرب الضخم في الطاقة الشمسية الذي جعل منه مثالاً يحتذى به على صعيد المنطقة والعالم بتقليل اعتماده على الوقود الأحفوري والحدّ من الانبعاثات الكربونية الضارة.

مسؤولية الدول الغنية

الجدير بالإشارة أن هذا التقرير جاء متزامناً مع الدورة العشرين لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وهو المحطة ما قبل الأخيرة من المفاوضات الدولية التي من المقرر أن تفضي إلى توقيع اتفاقية دولية جديدة لتغير المناخ في باريس أواخر عام ٢٠١٥. وكان المؤتمر الأول لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ قد عُقد في برلين في عام 1995. وفي المؤتمر الثالث، في كيوتو، اليابان، في كانون الأول 1997، التزمت الدول الموقّعة خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون وخمسة غازات أخرى مسبّبة للانحباس الحراري الذي يرفع درجة حرارة الأرض. وانتهت مدة هذا الالتزام في 31 كانون الأول 2012 وجُدِّدَت إلى عام ٢٠٢٠، رغم انسحاب العديد من الدول منها، علماً بأن الدولتين الأكثر تلويثاً، أي الولايات المتحدة والصين، لم يوقّعاها منذ البداية. وتركز التقارير العلمية على ضرورة أن تبلغ الانبعاثات العالمية ذروتها عام 2015 تقريباً، وتعود مستوياتها عام 2020 إلى ما كانت عليه عام 1990، ومن ثم تعود وتنخفض بنسبة 80% من هذا المعدل عام 2050، علماً بأن مستوى تركيز الغازات الدفينة الحالي يبلغ أكثر من 400 جزء في المليون من ثاني أوكسيد الكربون، وهو يرتفع نقطتين كل عام. ويقول خبراء المناخ إنه بات من شبه المستحيل الحفاظ على درجة حرارة الأرض، فالوقوف عند ارتفاع يصل في حدّه الأقصى إلى درجتين مئويتين، يتطلب إعادة تركيز الغازات الدفينة على ما يعادل 350 جزءاً في المليون من ثاني أوكسيد الكربون، وهو هدف فشلت حتى اللحظة جميع السيناريوات التي تطرح داخل أروقة الأمم المتحدة في الوصول إليه.

يمكنكم متابعة بسام القنطار عبر | http://about.me/bassam.kantar