نحو 55 ألف تلميذ سوري جديد سيدخلون المدرسة الرسمية مباشرة بعد عطلة الأعياد. هذا ما تبشّر به كل من وزارة التربية والمفوضية العليا للاجئين ومنظمة اليونيسف. إلَا أن زيارة المدارس لا تشي بأن التعليم في الدوام المسائي وضع على نار حامية، بدليل أنّه لم يُسجل حتى الآن التلامذة رسمياً ولم تحدد ما هي المدارس التي ستستقبلهم بعد الظهر والطاقم الإداري والتعليمي من مديرين ونظار ومعلمين متعاقدين. لكن مصادر وزارة التربية تؤكد أن الاستعدادات باتت في مراحلها النهائية وأن إعلانها سيحصل بين العيدين. وتكشف رانيا زخيا، خبيرة التعليم في حالات الطوارئ في اليونيسف، أنّه سيختبر للمرة الأولى برنامج التعليم المسرّع من الصف الأول أساسي وحتى التاسع أساسي (Accelerated Learning Program أو ALP) ومدى ملاءمته لاحتياجات التلامذة. وتشير إلى أنّ المركز التربوي أنجز المضمون بعد 8 أشهر من الإعداد، بمساعدة 100 اختصاصي تربوي وتقني، وبات العمل في مرحلة الإخراج الفني.


وعن شكوى المدرّسين من البرنامج، باعتبار أنّه ليس مصمماً للسوريين الذين يحتاجون إلى خطط فردية بحسب قدراتهم؟ توضح زخيا أن برنامج ALP ليس هو نفسه منهج التقوية الذي اعتمد في وقت من الأوقات لدعم اللاجئين وإعادتهم إلى النظام التربوي. اللافت في ما تقوله زخيا لجهة أنّ نجاح الاختبار سيسمح في ما بعد باعتماد البرنامج من قبل وزارة التربية. لكن ماذا سيدرس التلامذة في الفترة المتبقية من العام الدراسي؟ تجيب: «هناك توجه لدى وزارة التربية لتمديد العام بالنسبة إلى تلامذة الفترة المسائية».
التأخير في انطلاقة الدراسة يعزوه نائب ممثل منظمة اليونيسف في لبنان لوشيانو كالستيني إلى مشاكل التمويل. إلّا أنّه يستدرك أنّه «لم تعد لدينا المشكلة المالية نفسها التي كانت قبل 6 أشهر، وبتنا قادرين على توفير التعليم لـ130 ألف طفل في دوامي قبل الظهر وبعده».

ارباك نتيجة تعدد
الجهات المعنية باللاجئين وعدم
التشبيك بينها



هل معنى ذلك أنّكم حصلتم على المبلغ الكامل لهذا العام لتنفيذ خطة وزارة التربية لتعليم جميع الأطفال في لبنان الممتدة لثلاث سنوات، والبالغة كلفتها 600 مليون دولار أميركي؟ يقول كالستيني إننا جمعنا نصف المبلغ أي 100 مليون دولار، لكن مواردنا هذا العام كانت أكبر بأكثر من 50 % من موارد العام الماضي، فيما استقبلنا أعداداً من التلامذة أقل بقليل في الفترة نفسها».
وفي مقاربة لأزمة التعليم، يبدو المسؤول الدولي متفهماً لموقف وزارة التربية والتعاميم التي أصدرها الوزير لجهة استقبال التلامذة اللبنانيين أولاً وتحديد أعداد السوريين «فالضغط الذي يعيشه لبنان بالنسبة إلى أعداد اللاجئين عموماً وأعداد التلامذة منهم خصوصاً التي لامست 500 ألف تلميذ لا يشبه أي بلد في العالم، عدا عن أن ذلك يأتي في مناخ سياسي متأزم».
ومع ذلك، يرى أننا «نمر بمرحلة إيجابية، لكون الدولة اللبنانية باتت تعترف أكثر من أي وقت مضى بوجود أزمة كبيرة، وخطة وزارة التربية تصب في هذا التوجه». ويلفت كالستيني إلى أن لدينا فرصة استثنائية لتحسين التعليم الرسمي اللبناني وإعادة تأهيل البنى التحتية وتدريب المعلمين، طالما أن أنظار الممولين متجهة إلى لبنان. لا ينفي كالستيني أن الإرباك لا يزال موجوداً، وإن بوتيرة أقل من السابق، إذ لم تكن الحكومة، في بداية الأزمة، تأخذ دفة القيادة، وقد غاب التشبيك المناسب بين المنظمات غير الحكومية الدولية والجمعيات الأهلية التي تولت تعليم اللاجئين، فكان لكل منها اتجاهاته وأهدافه، وإن استطاعت أن تؤمن موارد مهمة للوصول إلى اللاجئين.
تحاول اليونيسف وضع حلول لهذا الإرباك، بحسب المسؤول الدولي، بالتنسيق مع شركائها سواء وزارة التربية أو مفوضية اللاجئين. تقول المفوضية في أحد تقاريرها الأسبوعية عن أوضاع اللاجئين إن «التحديات التي تعترض التسجيل للعام الدراسي 2014-2015 تتخطى المشاكل المتصلة بالاندماج والتكيف. لذا نرصد العملية عن كثب من خلال الاجتماعات المستمرة مع الأهالي ومديري المدارس، فضلاً عن تقارير المتطوعين من اللاجئين في مجال الاتصال والتوعية. على سبيل المثال، فقد أفاد بعض الأهالي عن شعورهم بالحيرة حيال التسجيل في الدوام الصباحي، وذلك جزئياً لأن بعض مديري المدارس قد فسروا التعميم الصادر عن وزارة التربية في منتصف تشرين الأول بشكل مختلف. فقد سمح بعض المديرين بالتسجيل الفوري لأطفال سوريين في الدوام الصباحي، في حين طلب آخرون من الأهالي توفير وثائق إضافية، الأمر الذي حال دون تسجيل أبنائهم. وفي بعض الحالات الإفرادية، طلب المديرون تسديد رسوم معينة».
هنا تشرح مديرة قسم الإعلام والاتصال في اليونيسف سهى البساط بستاني أن ما يحدث من سوء فهم في دمج الأطفال اللاجئين يجرى على مستوى أفراد وليس على مستوى مؤسسات أو على مستوى وزارة التربية «فقد نصادف أهالي يرفضون أن يندمج أولادهم مع السوريين لأنهم لا يريدون أن يقصروا تربوياً، لذا فالمعايير والأنظمة التي نحاول إرساءها ستلحظ إعطاء الحق بالتعليم للتلميذ السوري وتأمين كرامته وحماية التلميذ اللبناني في الوقت نفسه». هل فعلاً القدرة الاستيعابية للمدارس الرسمية لا تتجاوز 300 ألف طالب لبناني في دوام قبل الظهر، ما دفع إلى استحداث دوام بعد الظهر حيث تبلغ كلفة التلميذ السوري الواحد 600 دولار أي ضعف كلفته في دوام قبل الظهر (365 دولاراً) ما فتح المجال واسعاً لسمسرات المديرين والتوسط لتسجيل أسماء المتعاقدين؟
تقول بستاني إنّ 80 % من اللاجئين موجودون في المناطق الأكثر حرماناً في البقاع وعكار وهناك المدارس غير جاهزة لاستيعاب هذا العدد الهائل من التلامذة في عمر الدراسة.




لماذا المدارس الرسمية؟

السؤال الذي يطرحه المجتمع المدني: لماذا يقتصر الدعم على المدارس الرسمية دون المدارس الخاصة والجمعيات التي تعنى باللاجئين؟ يجيب نائب ممثل منظمة اليونيسيف في لبنان لوشيانو كالستيني: «نطاول في برامجنا مؤسسات البلد المضيف ونستهدف الأطفال الأكثر فقراً، أما القطاع الخاص فيقوم بنفسه ولا يحتاج إلى دعمنا». أما المفوضية العليا لشؤون اللاجئين فتقول في تقريرها إنّ «الشراكة مع المدارس الرسمية تمكّن الأطفال من الحصول على الشهادات الرسمية، ما يسهّل حصولهم على التعليم في أي مكان آخر في المستقبل. كذلك فإنّ العمل مع هذه المدارس يسمح للجهات الشريكة ببناء قدرات نظام التعليم في لبنان من خلال تدريب المعلمين وتجديد المدارس وغيرها من المبادرات التي تعود بالنفع على المجتمع المحلي المضيف ومجموعات اللاجئين».