أن تفتح مسرحاً، معناه أن تغلق سجناً. لكن ماذا لو فتحت مسرحاً في السجن، على طريقة زينة دكّاش في لبنان، أو بالأحرى، ماذا لو نقلت فنّ الفرجة إلى داخل الجدران التي تفصل الأخيار عن الأشرار؟ تكون قد قرّرت الغوص في رحلة موجعة وشائكة بحثاً عن تلك الحدود الواهية والمعقّدة بين «الخير» و«الشرّ»، بين «البراءة» و«الذنب».


المسرح من شأنه أن يحوّل السجناء إلى شركاء في احتفال طقوسي يأخذ المؤدّي والمتلقّي إلى التطهّر (كاثارسيس، حسب أرسطو في «فنّ الشعر») من «آثام» ومشاعر كثيرة. أو يخلق صدمة الوعي على طريقة برتولت بريخت، إذ تُحرّر الفرد من عبء ثقيل عن طريق ادراك آليات استلابه. إشراك السجناء في اللعبة المسرحيّة، يعني أن تقدّم لهم مرآة مشرّعة على أسئلتهم المكبوتة وحكاياتهم الصغيرة المهملة. في هذا السياق تجلّت زينة دكّاش في لبنان بعملين مسرحيين متكاملين بالمعنى التقني والجمالي. الأوّل «١٢ لبناني غاضب» قدّمته مع مجموعة في سجن روميه («الأخبار»، ١١/ ٢/ ٢٠٠٩)، والثاني «شهرزاد ببعبدا» أي في بعبدا، مع نزيلات «سجن النساء» («الأخبار»، ٢٦/ ٤/ ٢٠١٢). وثّقت الفنّانة والناشطة للتجربتين بالصوت والصورة، وقد عرضت تسجيل «شهرزاد» أخيراً في «مسرح مونو» أمام جمهور لم يتسنّ له أن يدخل في نيسان الماضي إلى «مملكة بعبدا» كما تسمّيها «الممثلات» في المسرحيّة.
في تجربتها الأولى، إنطلقت دكّاش، مؤسِّسة «جمعيّة كاثارسيس للعلاج بالدراما»، من نص بعنوان «إثنا عشر رجلاً غاضباً» يعود إلى عام ١٩٥٣. وفي الخيار الموفق للنص واقتباسه يكمن جزء من نجاحها آنذاك. هيئة محلّفين تم اختيارهم من الشعب، تحلقوا في جلسة مغلقة للتداول في جريمة شاب متهم بطعن والده حتّى الموت. نبدأ من قناعة بأن المتهم مذنب، وشيئاً فشيئاً يتصدّع الاجماع ويتسلل الشك إلى ضمائر المحلّفين الذين يجسّدهم هنا سجناء محكومون بعقوبات طويلة، حسب رؤية دكّاش التي تشكّل اضافة مهمّة في «تأويل» نص الأميركي ريجينالد روز (١٩٢٠ ــــ ٢٠٠٢). من خلال تصوّر سينوغرافي مميز، زجّت بجمهورها في السجن، واضعة ايّاه على تماس مع هؤلاء المجرمين الذين مثلوا باتقان، وغنّوا أيضاً. أما عملها الثاني شهرزاد فكان أكثر مباشرة، نابعاً من قصص السجينات ورواياتهنّ وتجاربهنّ المريرة. هنا أرادت المخرجة أن تظهر الضحيّة خلف كلّ متهمة أو محكومة: جوقة من الممثلات، يتعاقبن بأسلوب بريختي على دور شهرزاد التي تحكي واقع السجن، وتتقمّص وجوهه وحكاياته. وجاء توظيف الاكسسوارات بطريقة ذكيّة ليلعب دوراً مهمّاً في السرد كصلة الوصل بالعالم الآخر المفقود (كمان الزوج، مسدس ضحيّة التحرّش، دفتر مذكّرات «الزانية»، فستان الابنة البعيدة...). كما يلعب شباك غرفة السجن التي صارت مسرحاً، دوراً ديناميكيّاً إذ يقول العلاقة بالخارج، والتوق إلى العدالة والحريّة.
في السجن يصبح المسرح أداة تعبير جماعيّة واجتماعيّة بامتياز، تلتقي عندها عناصر عدّة: ابداعيّة وتربويّة ونفسانيّة وفلسفيّة. إنّه يشتغل على الكلمة المقيّدة، والخيال المصادر، والجسد المكبّل، والأشياء الممنوعة، والصوت الخافت، والبوح المؤجّل لأن أحداً لن يسمع، لن يقبل، لن يصدّق، لن يسامح. وحين تُعطي الكلمة للسجين، واضعاً بين يديه أداة التعبير تلك، متيحاً له فرصة اعادة امتلاك الفضاء العام الذي أُقصِيَ عنه، جاعلاً إيّاه يستعيد «شرعيّة ما» بوقوفه أمام جمهور... فأنتَ تحرّره قليلاً أو كثيراً، وتعيد الاعتبار إلى انسانيّته المصادرة، المنسيّة، المقموعة بالمعنى الذي يريده المعلّم البرازيلي أوغوستو بوال مؤسس «مسرح المقموع». علماً أن ممارسة المسرح داخل السجن، تتطلّب جهداً نفسيّاً وجسديّاً وفنيّاً، وتدريبات طويلة، وتحضيرات شاقة يغوص خلالها السجين/ السجينة في ذاكرته وضميره، ويطرح أسئلة كثيرة على نفسه، وعلى المجتمع.
وإذا كان المسرح أرض التناقضات المتصارعة، فهو فضاء العفو بامتياز، مجاز العدالة المستعادة. هناك علاقات سريّة وجنينيّة وطيدة بين الخشبة وقوس المحكمة. المحامي الشهير جاك فرجيس توقّف عند الأمر مليّاً، في تجربة مسرحيّة مفاجئة. هناك مسؤوليّة جماعيّة يتحمّلها معاصرو أي جريمة ارتكبت في زمان ومكان معيّنين. نستعيد هنا جان جينيه وبرنار ماري كولتيس، وهما كاتبان مسرحيّان استثنائيّان، من جيلين مختلفين، كلاهما اقتفى أثر الجريمة، تقمّصها، ومسْرَحها كفعل تمرّد واحتجاج، وحاول أن يرتقي بها إلى الطقس الدرامي. نعم، المسرح يحرّر السجناء، يجعلهم يتصالحون مع أنفسهم ومع الآخرين... انطلاقاً مما هم عليه، مما يعرفونه أو لا يعرفونه، مما يفكّرونه ولا يجرؤون على قوله، مما يسكن خاطرهم الجريح من ذنوب وعذاب ضمير، من حيرة وخوف، من احساس بالظلم والقهر والندم، من حاجة إلى اعلان البراءة، أو الدفاع عن الذات، أو تفكيك تلك السيرورة الشيطانيّة التي أخذتهم إلى «الغلطة». المسرح يأخذنا إلى تلمّس شعرة معاوية التي تفصل بين الجاني والضحيّة، بين شخص منحرف وآخر مستقيم.
قبل أيّام فقط، كانت زينة دكّاش في «مسرح مونو» البيروتي، تعيد تقديم الشريط الذي صوّرته انطلاقاً من تجربة شهرزاد في «حبس النسوان». صحيح أن العرض الحيّ، في مسرح مرتجل داخل السجن، يعطي التجربة بعدها الاستثنائي، لكنّه يبقى محصوراً بفئة معيّنة من الجمهور... أما الفيديو، فيحمل التجربة إلى جمهور أوسع وآفاق أخرى. بعد العرض في «مونو»، كانت هناك جلسة نقاش مع المشاهدين، بحضور خمس سجينات شاركن في العمل، واستعدن حريّتهنّ منذ ذلك الوقت... ما يعطي فكرة عن طريقة عمل المخرجة والمنشّطة المذكورة: البعد التربوي يشتغل في الاتجاهين: على مستوى السجين نفسه، ثمّ المشاهد «الطبيعي»، صاحب الضمير المرتاح، والسجل العدلي النظيف. التماس بين الطرفين يأتي ليشرّع آفاق المساءلة والتأمل. السجين الذي وعى خطأه وأخطاء الآخرين، يحاسبنا فيما هو يحاسب نفسه. تلك المواجهة المدنيّة والأخلاقيّة لا يتيحها أي فنّ آخر مثل المسرح.