بالتأكيد، لم تكن تظاهرة. لم يسبق أن دعا أحد إلى تظاهرة داخل محكمة. كما لم يعتد أحد أن تكون التظاهرة صامتة، من دون هتافات أو حتى لافتات. رغم ذلك، ذكّر رئيس محكمة المطبوعات القاضي روكز رزق أكثر من خمس مرات، أمس، الحاضرين في قاعة المحكمة، «أننا لسنا في تظاهرة». حصل ذلك خلال الجلسة التي استمع فيها إلى الوزير السابق شربل نحاس في الدعوى المقامة ضدّه من قبل المدير التنفيذي لـ«سبينيس» مايكل رايت و«سبينيس» بتهم الأخبار الكاذبة والقدح والذمّ.
السبب الذي دفع رزق إلى توجيه هذ الملاحظة هو حضور العشرات من أصدقاء نحاس والمتضامنين معه، إلى قاعة المحكمة، حتى غصّت مقاعدها بهم، فتابعها الكثيرون وقوفاً، من دون أن ينبسوا ببنت شفة. حتى إنهم ضبطوا أعصابهم عن الضحك والتصفيق أكثر من مرة، رغم أن المواقف والتعليقات التي شهدتها المحكمة كانت تفرض ردود فعل من هذا النوع.
عندما وقف نحاس خلف منصة الاستجواب، مع المحاميين نزار صاغية وجان نمور، لم يكن السؤال الأول الذي طرحه عليه القاضي رزق متعلقاً بالدعوى، بل بالحضور الكبير الذي لم تألفه القاعة سابقاً. «جايين معك؟» يسأل، فيجيبه نحاس (ببراءة): «لا أعرف». يرفع القاضي رأسه ليخاطب من هم في الخلف «لا أريد تعليقات، هذه ليست تظاهرة».
يلي السؤال الأول، ملاحظة أولى من القاضي أيضاً «هذه جلسة استثنائية». ومردّ الاستثناء هنا لا يعود إلى هوية المدّعى عليه، وإنما إلى إصرار نحاس على الخضوع للاستجواب، وليس التأجيل، كما حصل في كلّ الملفات التي سبقت جلسته، وتلتها، وما يحصل دائماً بحسب القاضي رزق الذي يلفت إلى أنها المرة الأولى التي «يحصل فيها الاستجواب منذ الجلسة الأولى». يحرص نحاس على التوضيح أنه لم يذهب في دفوع شكلية احتراماً للمحكمة. والمفارقة كانت في أن محامي المدّعي، كريم الخنسا، هو من طلب التأجيل لدراسة القضية والتعليق، من دون أن يطرح أي سؤال على المدّعى عليه. كلّ ما قام به هو إخبار القاضي بأن دعوة وزّعت على موقع «فايسبوك» من أجل التجمّع تضامناً مع نحاس في جلسة أمس، وجاء ردّ القاضي بأن هذا أمر مشروع، وخصوصاً أن المحاكمة علنية.
بعدها، بدأ الاستجواب بسؤال القاضي لنحاس: هل اطلعت على ما ورد في متن الدعوى؟ يجيبه «نعم».
يسأل عن رأيه في التهم الموجهة إليه: الأخبار الكاذبة، القدح والذم، فيردّ نحاس بداية على الخبر الكاذب:
«ما حصل هو أني قرأت خبراً في جريدة، عن فصل مايكل رايت من عمله، فنقلت الرابط الإلكتروني لهذا الخبر إلى الصفحة التي أديرها مع الرفاق على موقع الفايسبوك، بحيث أفسحت المجال للأشخاص الذين يدخلون إلى موقعي للاطلاع على هذه الواقعة... وأبديت ارتياحي لهذا الخبر». لم يتوقف ردّ شربل عند هذا الحد، بل تابع: «أضف إلى ذلك، إن الخبر قد لا يكون كاذباً، وإن لم يتحقق بعد، لأن شركة أبراج، التي تملك كلّ أسهم الشركة اللبنانية سبينيس، قد عرضت أسهمها للبيع، وبالتالي ليس من المستبعد أن يكون مقدّراً لقرار البيع أن ينسحب نقلاً للسيد رايت من موقعه».
وردّاً على تهمة القدح، الذي عرّفه نحاس بأنه «نسبة صفة مشينة من دون سبب»، ردّ بالقول «إن عناصر جرم القدح غير متوفرة، ولا سيما أنه لا يوجد أي علاقة بيني وبين رايت، ولا توجد أي غاية شخصية من أي نوع تجاه هذا الأخير». مستطرداً «لا أظن أن أحداً يخطر على باله أن ثمة نزاعاً بين عشيرتي رايت ونحاس». وفيما لفت إلى أن «المدّعي يكرر علناً في مراسلات ومدوّنات منشورة أن ارتكاباته ليست أسوأ من تلك التي ترتكب في مؤسسات تجارية أخرى، ويعتبر أن الحملة التي أقوم بها مع الرفاق لها طابع شخصي، أجيب أن التركيز على أوضاع العمّال في شركة «سبينيس» سببه واضح وجلي وهو أن عدداً من الأجراء تحلّوا في هذه الشركة بصفات البطولة»...
يقاطعه القاضي: «نحن نحكي عن موضوع محدّد، أريد شيئاً منتجاً في موضوع القدح. لا تحوّل الموضوع إلى نضال. ادخل في بيت القصيد». فيتابع نحاس: «لقد تميّزت سبينيس بأنها واجهت تحركاً نقابياً أصيلاً (يسأله القاضي عن القصد من كلمة أصيلاً، فيشرح أن المقصود هو أن التحرّك لم يتمّ بإيعاز خارجي) ضمنها وقامت بصرف النقابيين».
ورداً على تهمة الذم، رأى نحاس بداية أنه لكي تتحقق هذه التهمة، يجب أن تتضمن النية الجرمية. وتابع «الصفة التي اعتبرها المدّعي ذماً به، هي ما يقوم به. لأن الإرهاب والترهيب يعنيان لغوياً التخويف، وصولاً إلى حد جعل المعتدى عليه في حقه غير متجرأ على المطالبة بحقه، وأنا أصرّ على اعتبار أعمال هذا الشخص إرهابية. إن عناصر جرم الذمّ غير متحققة، ولا سيما أن الجهة المدعية تستند إلى ما قلته أنا شخصياً من أن الشركة قد حوّلها مديرها من مؤسسة تجارية إلى مؤسسة تقوم منهجياً بترهيب النقابيين ومن يساند مطالبتهم بحقوقهم. واستخدام تعبير الإرهاب والترهيب يقع لغوياً في المقام الصحيح في وصف أعمال المدّعي».
وتابع: «وردّاً بالتحديد على ما ورد في متن هذه الشكوى، فإن الموضوع المشار إليه لا يمت له مطلقاً بالذم.
أولاً، لغياب أي نية في الأذية المعنوية، ثانياً لكون مبرّر الوصف الذي أطلقته مبرراً مشروعاً ومتصلاً بالحقوق الأساسية للمواطنين، ما يجعل التشهير واجباً، وبالتالي «الذم». إذا طبّق هذا الوصف يكون مشروعاً بل واجباً وطنياً وأخلاقياً، لأن كلّ المعلومات والصفات التي أطلقها على الجهة المدعية مستندة إلى معلومات دقيقة ومتابعة حثيثة لدقائق وتفاصيل المدعي وتصرفاته».
وطلب نحاس بعض الوقت لإثبات وجهة نظره، فمنحه خمس دقائق لإبراز الوقائع المتعلقة بخلفيات القضية، أعاد خلالها نحاس التذكير برفض رايت تطبيق مرسوم تصحيح الأجور، وتصرفاته تجاه العمّال بعد تأسيسهم للنقابة، من الفصل إلى التهديد، وأكدّ وجود أدلة وشهود على كلامه، منهم الوزير وائل أبو فاعور.
بعدها، سأل القاضي المحامي الخنسا إن كان لديه أسئلة يوجهها إلى المدعي عليه، فاكتفى بطلب مهلة للتعليق على ما ورد على لسان المدعى عليه خلال استجوابه. بدوره، استمهل المحامي صاغية لإبراز المستندات التي تثبت صحة الوقائع، وتقديم لائحة بالشهود.
وبناءً عليه، قرّر القاضي رزق إمهال الخنسا شهراً واحداً للتعليق، وصاغية 15 يوماً لإبراز لائحة شهود، على أن يصار إلى إبلاغ هذه اللائحة وكيل الجهة المدعية، وممثل النيابة العامة الاستئنافية وإمهال كل منهما 15 يوماً لاتخاذ موقف من اللائحة المذكورة، على أن يتخذ قرار بهذا الموضوع قبل موعد الجلسة القادمة التي حدّدها بداية بتاريخ 25 أيلول 2013، فطلب صاغية تقديم الجلسة على أساس أن القضية اجتماعية، وافق القاضي وحدّد لها موعداً في 26 حزيران المقبل.



«سنربح المعركة»

كانوا على الموعد عند العاشرة إلا ربعاً من صباح أمس، أصدقاء الوزير شربل نحاس تجمعوا عند مدخل قصر العدل في بيروت ورافقوا نحاس إلى قاعة المحكمة، ليخرجوا بعد ساعة تقريباً ويبدأوا وقفتهم التضامنية معه في معركة تعنيهم كما تعنيه. الصمت الذي التزموا به داخل القاعة ظلّ سارياً بعد خروجهم منها. تجمعوا بهدوء على رصيف قصر العدل، ورفعوا اللافتات التي كانوا قد حضّروها وكتبوا عليها: «ضربني وبكى وسبقني واشتكى»، «الوزير مطنّش، والقاضي راضي؟»، «لا تقوننوا الباطل»، «ترهيب + براءة don›t mix»، «الفاجر بياكل مال العامل»... من جهته، ألقى نحاس كلمة وضع فيها ما يجري في سياق معركة إضافية يرغب في تسجيل موقف منها: «إنها مسألة عامة لتثبيت واجب التشهير بمن يعتدي على حقوق الناس، ولا سيما في ظل دولة تقاعست إداراتها المسؤولة عن القيام بواجباتها وحماية الناس. هذه معركة سوف نربحها والقضاء سيكون في المكان المناسب، لنعود ونرمّم الدولة التي تنهار شوي شوي، على الأقل في عيون المواطنين»، مؤكداً ثقته بأن «المسألة ذاهبة بالاتجاه الصحيح».