عند الرابعة من بعد ظهر اليوم يلتقي روّاد حديقة اليسوعية للدفاع عنها، وللقول بصوت واحد «ممنوع المس بالمساحات الخضراء تحت اي ذريعة، بما فيها اقامة مواقف للسيارات».

لكن «حديقة اليسوعية» ليست مساحة خضراء عامة فقط، إنما هي موقع اثري ومتحف في الهواء الطلق للبازيليك البيزنطية المكتشفة سنة 1950 في منطقة الزهراني. الكنيسة التي أعيد تركيبها في الموقع، تعتبر من أهم المعالم البيزنطية في لبنان، والشاهد على انتشار المسيحية في العالم في القرون الاولى. كما وتخبر هذه الآثار قصة قرية الصيادين التي اكتشفت في الزهراني قبل 1500 سنة.

عام 1950، وخلال إجراء أعمال تشييد محطة التكرير بشركة التابلاين في الزهراني (8 كلم جنوب صيدا)، عثر العمال على آثار بيزنطية. فتم التواصل مع المديرية العامة للآثار لتكشف على الموقع، وتبين أن الاكتشاف مهم جداً، فالآثار تعود لبقايا كنيسة بيزنطية ضخمة زينت أرضيتها بالفسيفساء. وتم التوافق حينها مع شركة النفط على رفع الآثار المكتشفة وعرضها في بيروت في حديقة عامة، لتصبح بمثابة متحف في الهواء الطلق، وتم اختيار حديقة اليسوعية في الجعيتاوي. نقلت البازيليك بحجارتها وارضيتها المشغولة بقطع الفسيفساء وأعيد وضعها في الجزء الجنوبي من الحديقة العامة التي تحولت بذلك الى موقع اثري ومتحف!
ومع تكريس الموقع الجديد بدأت الدراسات المفصلة للآثار المكتشفة، فتبين انها مهمة جداً لتاريخ انتشار المسيحية في لبنان. فالجزء الاقدم من الكنيسة بني في القرن الرابع ميلادي، ومن ثم أضيفت اليه أجزاء اخرى في القرن الخامس. وفي القرن السادس أعيد تزيين الكنيسة فرفعت الرسوم على الجدران، وزينت الارضية بقطع الفسيفساء المختلفة، والمؤرخة بكتابات يونانية تخبر ايضاً قصة اهالي القرية.
تروي الآثار المعروضة في حديقة الجعيتاوي في خبايا حجارتها اعتناق صياديين لدين جديد وجهدهم الكبير لإرضاء الرب. لذا تزيد اهمية الموقع عن غيره، بكونه يبرز الفن البيزنطي المحلي في القرن الرابع بعد الميلاد.
ومن المعلوم ان بلدية بيروت لا تسطيع رفع آثار بازيليك الزهراني بدون الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الثقافة، مالكة الآثار والوصية الاولى عليها. فهل ستقبل الوزارة بذلك؟ صحيح ان قطع الفسيفساء مصبوبة على الباطون (كما كانت العادة في 1950) ولكن هذا الاخير تشقق في اماكن متعددة، وما الضامن بأن عملية رفعها لن تضعف الآثار أكثر؟ ومن يؤكد أنها ستعود الى مكانها؟