منذ انطلاق نشاطها قبل عامين، غرّدت المفكرة القانونية خارج السرب البحثي التقليدي المرتبط بالمسائل القانونية في لبنان، سواء جاء هذا البحث من داخل نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس، أو على هامشهما. وهي وإن حاولت أكثر من مرة أن تقدم عملها بصفته قيمة مضافة، إلا أن مؤتمرها الأول من نوعه، الذي افتتح أعماله أول من أمس ويختتم اليوم، في فندق «كراون بلازا» في بيروت، قدم هوية أكثر وضوحاً لمنهج عمل الباحثين والمحامين في هذه الجمعية، وأعاد طرح الأسئلة «الوجودية» عن هذه المهنة والجمود الذي تواجهه على المستوى النقابي والصمت السلبي الذي تمارسه الغالبية العظمى من المحامين التي تسهم في إعلاء السور المحيط بقصر العدل وما يجري داخله من مظالم.
المؤتمر يقرأ من عنوانه «المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية في المنطقة العربية». يعرّف المحامي نزار صاغية، أحد مؤسسي «المفكرة القانونية»، هذا الصنف من المحامين بأنهم «فئة تمارس المهنة خارج التقليد، يرفضون حصر عملهم في علاقة الموكل والوكيل التقليدية، فهم يختارون معظم ملفاتهم بتأنٍّ حسب قناعات فكرية - سياسية محددة كما يعملون على تغيير الاجتهاد، وعلى تطوير الفهم القضائي للنصوص، وصولاً إلى استخدام أساليب هجومية تتخطى الدور الدفاعي الاعتيادي. وهم يلجأون إلى وسائل مختلفة كالإعلام أو المقاضاة الاستراتيجية أو التحالفات العابرة للمهن، لتحويل القضايا الفردية التي يتسلمونها إلى قضايا عامة تحتل حيزاً من النقاش العام وتُسهم في تغيير مجتمعاتهم».
إسقاط هذا النموذج على الواقع اللبناني يحذف تلقائياً شريحة واسعة من المحامين الذين لا يكتفون بحصر العلاقة بين موكل ووكيل، بل هم جزء من الطبقات الميسورة المنفصلة نوعاً ما عن واقع المشاكل والأزمات الاجتماعية، أو المستفيدة منه، وإما هم جزء من هذا الواقع يعجزون عن إلحاق أي تغيير به.
وفي تقرير بعنوان «منتقدو السلطة – ضحايا المهنة» قدمت لمى كرامة دراسة أعدتها «المفكرة القانونية» عن واقع المحامين اللبنانيين المناصرين للقضايا الاجتماعية. لم تستطع الدراسة رصد أكثر من ٤٠ محامياً يقعون ضمن هذا التصنيف في لبنان، ولقد أجرت مقابلات مركَّزة مع ١٥ محامياً منهم. يؤكد المحامون المستطلعون عدم تقبل هذه الفئة من المحامين في الوسط المهني، حيث يعيّرهم زملاؤهم بطغيان الطابع التطوعي المجاني على القضايا التي يترافعون عنها، إضافة إلى الاستهزاء بثقافة حقوق الإنسان عند مقاربة القضايا المرتبطة بها في المحاكم، وخصوصاً عندما تطاول الفئات المهمشة من لاجئين وعاملين في الخدمة المنزلية والمثليين والمثليات. وبينت الدراسة أن دافع التزام المحامي القضايا الاجتماعية لا يرتبط بالجامعة التي تخرج منها، ورغم طغيان الخلفية اليسارية على المحامين المناصرين للقضايا الاجتماعية في العالم العربي، إلا أن التجربة اللبنانية أظهرت تنوعاً في الخلفية السياسية والفكرية، حيث تبين أن العديد من المحامين ينطلقون من خلفية ليبرالية. واللافت أن التنافس بين هذه الفئة من المحامين لا تقل حدة عن الواقع الذي تعيشه المهنة عموماً. كذلك فإنهم لا يشكلون هوية مشتركة. وعن العلاقة مع نقابة المحامين، أظهرت الدراسة إشكالية تقييد آداب المهنة وظهور المحامين المناصرين للقضايا الاجتماعية في الإعلام، والصراع الذي يخوضه هؤلاء مع نقابتهم في هذا الموضوع. ويتوزع المحامون المناصرون للقضايا الاجتماعية بين محامين مستقلين وآخرين يعملون ضمن مجموعة (جمعية عدل وشركة بيناكل)، إضافة إلى المحامين العاملين مع جمعيات المجتمع المدني، وهم الشريحة الأكبر، مع الإشارة إلى الدور الذي يؤديه المحامي في القضايا الاجتماعية ضمن لجنة المعونة القضائية المشكلة في نقابة المحاماة، وغياب دور فعال لمعهد حقوق الإنسان في نقابة المحامين في قضايا المناصرة الاجتماعية.
وتعقيباً على الدراسة، أشار قاضي الأمور المستعجلة جاد معلوف إلى أن نظرة المحامين إلى زملائهم العاملين في القضايا الاجتماعية ستتغير بمرور الزمن، داعياً إلى تطبيق نظام إلزام المحامين بالترافع عن القضايا الاجتماعية، مع إعطاء القاضي دوراً رقابياً على مهنية عملهم وجديته، كي لا يتضرر المدعي.
ومن لبنان إلى مصر، يقدم المحامي والمرشح السابق إلى الرئاسة المصرية، خالد علي، صورة مشجعة عن المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية، وعن إسهام محامين مصريين في تحريك مجموعة واسعة من القضايا أمام المحاكم، ونجاحهم في وصول العديد منها إلى المحكمة الدستورية العليا. المثال الأبرز الذي قدمه علي يتعلق بقضية تكريس الحد الأدنى للأجر في مصر. اختار المحامي الشاب قضية رجل يدعى ناجي عبد السلام، وهو أبٌ لخمسة أولاد، ويعمل في شركة المطاحن جنوب القاهرة والجيزة ويتقاضى أجراً شهرياً مقداره ٣٦٨ جنيهاً مصرياً، يدفع ٢٢٠ جنيهاً منه إيجاراً لمسكنه. وقد طالبت الدعوى بوضع حد أدنى للأجور على المستوى الوطني بمراعاة نفقات المعيشة وإيجاد وسائل تكفل تحقيق التوازن بين الأجور والأسعار، على أن لا يقل عن ١٠٠٨ جنيهات. ولقد صدر الحكم في القضية التي رفعت بوجه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير التخطيط في آذار ٢٠١٠، حيث قبلت الدعوى في الشكل وأمرت المحكمة بإحالة الدعوى على هيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير بالرأي القانوني في موضوعها.
يشرح علي التدخلات الكبيرة التي رافقت القضية، بدءاً بوقف العامل عن العمل، مروراً بمجموعة من الطعون. ولعل النقطة الأبرز التي أثارها فريق الادعاء تتعلق بتحديد السقف الأعلى للأجور، مقابل تحديد الحد الأدنى، وخصوصاً أن راتب الوزير في مصر وصل إلى ١,٦ مليون جنيه، الأمر الذي يعكس الفروق الهائلة التي يمكن من خلال تقليصها ضمان عصر الإنفاق، ما يحقق الإنصاف للفئات متوسطة الدخل والفقيرة. مداخلة علي تركزت على تجربة مجموعة من المحامين الذين أسسوا مركز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والدعاوى التي رفعت بغالبيتها بوجه الحكومة المصرية، وأبرزها قضية عرض الموظف على لجنة شؤون العاملين كشرط جوهري لصحة قرارات النقل، وتبرئة العامل من تهمة الإضراب لأنه لم يعد جريمة، بل حقاً قانونياً. وقضية منع تخصيص قطاع التأمين الصحي، وأحكام أخرى تتعلق بشأن عقود بيع أراضي الدولة.



الناتو والجرائم في ليبيا

عرضت خلال المؤتمر تجربة نقيب المحامين الليبيين السابق وعضو المجلس الوطني الانتقالي الليبي عبد الحفيظ غوقة الذي اشتهر في توكله عن عائلات ذوي المفقودين في سجن أبو سليم الذين يطالبون بكشف مصير أكثر من 1200 سجين جرت تصفيتهم من قبل نظام معمر القذافي في عام 1996. يلفت غوقة إلى الدور الذي أداه المحامون في الاحتجاجات التي نظمها الأهالي في بنغازي والتي فجرت ثورة مسلحة. وعن الجرائم التي ارتكبها حلف الناتو بحق المدنيين يقول غوقة: «نحن من استدعينا الناتو لإنقاذ الشعب، قصفه كان حصراً لأهداف عسكرية ولم يقتل مدنيين». يرى غوقة أن «معارضة تدخل الناتو» منطق قومجي عفا عليه الزمن، ولا ينكر أن هناك انتهاكات واسعة ترتكب في ليبيا، مع تأكيده أن النظام الحالي يعمل على ملاحقتها والحد منها.