ليس القصد من التسلل إلى مكاتب الإدارة المركزية للجامعة اللبنانية «اقتناص» قرارات إدارية لتحقيق سبق صحافي. الهدف، ببساطة، مطالبة أهل الجامعة بعدم الاستمرار في التعامل كشهود زور على انهيار ما بقي من مؤسسة وطنية تربوية عريقة تمثّل حاجة كبرى.
عندما تَضرب القرارات الفردية والاستنسابية ديموقراطية التعليم والتوظيف، فتلغي التقاعد وتقطع الطريق على تجديد دم الأساتذة والموظفين، وعندما تُحدث فوضى أكاديمية وإدارية وتتناقض مع عمل المجالس التمثيلية من مجلس جامعة ومجالس وحدات وكليات لا يعود الأمر شأناً إدارياً داخلياً، بل شأناً عاماً يعني كل أهل الجامعة، وبعض الحريصين على بقائها على خريطة التعليم العالي اللبناني.
العام الدراسي الحالي يأفل مجدداً على جامعة بلا مجلس مخوّل، وفق القوانين، بإدارة شؤونها الأكاديمية. يأفل على إدارة رديفة برسم رئيس الجامعة قوامها مستشارون أكاديميون متقاعدون وغير متقاعدين يضطلعون بأعمال أكاديمية وإدارية، ومستشارون إداريون فوق مستوى المديرين والعمداء. أما معظم المهمات الاستشارية، فلا تتجاوز، بحسب المتابعين، حدود التنفيعات وحفلة العلاقات العامة وتكريس قاعدة «التعاقد بعد التقاعد».
قد يقول أحدهم إنّ «لرئيس الجامعة سلطة أن يستشير من يريد ومن دون إعطائه أي بدل مالي»، لكن هل يستطيع أن يخلق طبقة من الناس تتمتع بالصلاحيات الخارقة تحل مكان المجالس التمثيلية؟ ومن ثم من هم مستشارو الرئيس حالياً؟ إليكم نماذج من البورصة التي لا تكف عن الارتفاع: أستاذ متقاعد وعضو حالي في الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين عيّن أخيراً مستشاراً لشؤون تدريس اللغات الأجنبية، ولا يعرف المتابعون كيف سيجمع بين مهمته النقابية والاستشارية. أستاذ متقاعد مستشار لشؤون التفتيش والإنماء الإداري يُعد قرارات للرئيس لا تمر برئاسة الدائرة أو المصلحة وأمانة السر العام. ويسأل الموظفون عن دوره ما دام هناك مكتب للتفتيش والإنماء الإداري يرأسه أستاذ آخر. عمداء ومديرون وأساتذة حاليون يعفون من نصف نصابهم التعليمي. أحدهم مكلّف مهمتين استشاريتين، الأولى للشؤون الخارجية، والثانية لشؤون التكنولوجيا، علماً بأنّ هناك موظفة إدارية منسقة لمكتب العلاقات الخارجية ومستشارة للرئيس.
أستاذ متقاعد آخر لديه مهمتان استشاريتان أيضاً، الأولى في الشؤون المالية والإدارية، والثانية للقيام بالدراسات والمهمات الاستشارية للرئيس، وهو مستشار لوزير التربية في الوقت نفسه، وعضو في لجنة لتدقيق مشاريع قرارات اللجان الفاحصة، ومراقبة الامتحانات. أستاذ مستشار مكلف العمل مع الطلاب لإحياء الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، فيما يعيش الطلاب انقساماً مخيفاً في ظل تعطيل الانتخابات والمجالس الطالبية منذ سنوات، لا بل إنّ بعض الكليات لديها مجلسان ينتمي رئيس كل منهما إلى جهة حزبية مختلفة. أستاذة مستشارة لشؤون المكتبات تتصرف كموظف إداري، ولديها مكتب خاص بها في الإدارة المركزية، فتتدخل في إجازات الشراء والعروض من دون أن تكون لديها أي صفة تنفيذية، كذلك تأتي بمدرّبين (موظفين متعاقدين) يأمرون الموظفين المثبتين في دائرة المكتبات في رئاسة الجامعة، علماً بأنّ علاقة المستشار هي مع رئيس الجامعة لا مع الموظفين. مراقب مركزي سابق لعقد النفقات في الجامعة ومتقاعد عيّن مستشار للشؤون المالية. والسبحة تكر.
ليس مذكوراً في قرارات المستشارين قيمة التعويضات التي يتقاضونها، لكن مجرد الاستناد إلى النظام المالي للجامعة في البناءات يعني أنهم يقبضون، بحسب المتابعين. وقد علمت «الأخبار» أن التعويضات تكون على شكل مكافآت سنوية تبلغ في حدها الأقصى 5 ملايين ليرة لبنانية. الرقم ليس مهماً، المبدأ هو المهم. ماذا يعني أن يعفى الأساتذة والمديرون والعمداء الحاليون الذين يعينون مستشارين من نصف نصابهم التعليمي طيلة فترة توليهم مهماتهم؟ من يدرّس مكانهم النصف الثاني من النصاب، وخصوصاً أنّ قراراتهم مفتوحة وغير محصورة بحدود زمنية وتمتد إلى ما بعد التقاعد؟ هل تُملأ الأنصبة بمتعاقدين أم بأساتذة تفرغ وملاك على غرار ما يحدث بالنسبة إلى المناوبين مكان الأساتذة الذين يتفرغون في السنة السابعة للأبحاث؟ ما فائدة إخراج الأستاذ من ملاكه وحرمان طلابه منه من أجل لا شيء؟ أهل الجامعة ينتظرون أن يعود هؤلاء إلى كلياتهم.
وإذا كان الأساتذة يؤدون مهمات إدارية، فالموظفون أعضاء اللجان التي تفرّخ أكثر فأكثر يؤدون إلى جانب مهماتهم الإدارية مهمات أكاديمية، ويأخذون دور العمداء والمجالس. ماذا عن الموظفة ــــ السوبروومان العضوة في 9 لجان أكاديمية وإدارية؟ وماذا عن الموظفين الذين يدققون في مشاريع قرارات اللجان الفاحصة ومراقبة الامتحانات؟ وكيف يشارك الإداريون المحظوظون في مؤتمرات علمية بدلاً من الأساتذة وتحت عناوين أكاديمية و«هم يأخذون بدلات سفر من الموازنة العامة للجامعة ومن أصحاب الدعوة» على حد تعبير المتابعين!
يعزو هؤلاء ما يحصل إلى أن الرئيس ليس لديه ثقة بالعمداء الحاليين، لذلك يستعين بالمستشارين، لكن يبدو أنّ غياب الثقة متبادل بين الطرفين، فالعمداء وهم بالمناسبة معينون بالتكليف ويصرّفون الأعمال منذ عام 2004 مستاؤون أيضاً من سلطة المستشارين.
أما قاعدة «التعاقد بعد التقاعد»، فليست محصورة فقط في المهمات الاستشارية، بل في المهمات التدريسية أيضاً، بحجة أنّه ليس هناك أستاذ يستطيع أن يدرّس المادة! كأنّه ليس هناك مئات الأساتذة الذين ينتظرون في مجلس الوزراء منذ عام 2008. من المفيد هنا الإحالة على رأي الهيئة الاستشارية القانونية في الجامعة بطلب الرئيس السابق د. ابراهيم قبيسي في 5/1/2006 إمكان عقد اتفاق مع أستاذ جامعي بعد بلوغه السن القانونية. وكان الجواب أن «المهمات المرتبطة بأعمال الإدارة والتعليم تقتضي أن يقوم بها الأساتذة العاملون في الجامعة، ولا يجوز التعاقد مع الأساتذة المتقاعدين للقيام بها»، وهذا يسري على كل المستشارين المتقاعدين.
أين رابطة الأساذة المتفرغين مما آلت إليه الأوضاع المكشوفة لمؤسسة وطنية بهذا الحجم، يعبث فيها القاصي والداني؟ لماذا لا نسمع موقفها الواضح من المستشارين، وخصوصاً أنّ هيئتها التنفيذية أعلنت ذات مرّة ومن باب رفع العتب أن «أهل الجامعة أدرى بمشاكلها، لا المستشارون القادمون من عالم آخر». وماذا عن الإصلاحات الأكاديمية والإدارية التي وعدت بها الرابطة بعد حصولها على سلسلة الرتب والرواتب الجديدة؟