ماذا يصنع العنف الأسري من ضحاياه النساء؟ التحقيقات الأولية في جريمة قتل الناشط السياسي السوري محمد جمو تشير إلى أنه يصنع منهن قاتلات. سهام، زوجة جمو، إن صدقت أسبابها لقتله، ليست الأولى التي لجأت إلى ارتكاب جريمة القتل للتخلص من العنف. قبل سهام، خطفت سارة (اسم مستعار) نفسها.
يوماً بعد يوم، يتعاطف كثيرون مع ما نُشر في وسائل الإعلام بشأن اعترافات الزوجة وشقيقها وابن شقيقتها المتهميْن معها بتنفيذ الجريمة، « فزوج سهام مارس ضدها أشكالاً مختلفة من العنف طوال 22 عاماً، جسدياً بضربها المبرح باستمرار، وجنسياً بالتمنع عن الاقتراب منها وغيابه المتواصل عن البيت وإقامته علاقات نسائية متعددة، واقتصادياً بحرمانها المال، إلى جانب نيته بحرمانها ابنتهما الوحيدة واصطحابها لتعيش معه في سوريا، فيما كان قد أجبرها على الإجهاض خمس مرات».
وعلى الرغم من أن جريمة القتل وحشية وتمزيق جسد جمو بـ19 رصاصة متفجرة، إلا أن جزءاً من الرأي العام بدأ يلتمس بعض العذر لسهام، إذا صدقت اعترافاتها التي شابهتها اعترافات أقاربها.
هكذا، يترقب الجميع كيف سينظر القضاء في القضية. البعض يطلب تخفيف الحكم. والبعض يطلبون لها الإعدام، علماً أنها في نظر القانون تنال العقوبة نفسها استناداً إلى المادة 218 من قانون العقوبات، حتى لو كانت المحرضة على القتل وليست من نفذ الجريمة. وفي حكاية أخرى، لجأت سارة التي كانت تواجه عنف زوجها في ظل غياب القانون الذي يحميها ويحافظ على حقوقها، إلى طريقة لا تخطر على بال أحد. فالمرأة ادعت أنها مختطفة لتثير خوف واهتمام زوجها الذي ضاقت من تعنيفه لها، والقضاء نفسه، في هذا المجال، قد اختلف في نظره لما قامت به. وفي التفاصيل، أنه في شباط من العام الماضي، تقدم كريم (اسم مستعار) ببلاغ أمام فصيلة صور عن تعرض زوجته للخطف بالاستناد إلى رسالة هاتفية وصلته من هاتف زوجته سارة تبلغه فيها بأنها مخطوفة وأن خاطفيها يهددون بقتلها. لكن تبين أن الزوجة قد هربت من المنزل وادعت خطفها في رد فعل على «ضربه المستمر لها بقسوة وحرمانها مصروف المنزل وإدمانه الكحول وعودته في كل ليلة في حالة سكر».
وفي يوم هروبها، كانت سارة تملك مبلغ ثلاثة آلاف ليرة لبنانية. استقلت سيارة أجرة أوصلتها إلى بيروت التي كانت تزورها للمرة الأولى. أرسلت من هاتفها رسائل إلى زوجها تخبره بأنها «مخطوفة وأن الخاطفين سيقومون بتقطيعي»، وذلك بقصد «جعله يشعر بوجودي وتتحرك عاطفته تجاهي ويتألم عليي كما أتألم أنا من تصرفاته تجاهي»، كما قالت في اعترافاتها.
وفيما استقلت سارة حافلة صغيرة لنقل الركاب متوجهة إلى طرابلس، توجه زوجها إلى فصيلة درك صور حيث تقدم ببلاغ وادعى ضد مجهولين بخطف زوجته. في طريقها إلى هناك، لاحظ بعض المارة اضطرابها وضياعها في منطقة لا تعرفها مسبقاً. زودوها بالمال وطلبوا من سائق حافلة ركاب اصطحابها معه إلى بيروت. السائق تناول هاتف سارة واتصل بشقيقها، طالباً منه ملاقاته في بيروت لتسلّم شقيقته التي عادت مساءً إلى منزل ذويها. «الزوجة المختطفة» توجهت إلى الفصيلة لتوضح حقيقة ما فعلته. إلا أن النيابة العامة الاستئنافية في الجنوب قررت توقيفها واحتجزتها لمدة أربعة أيام قبل أن تتركها وتدعي عليها بجنحة المادة 402 من قانون العقوبات التي تنص على «معاقبة من أخبر السلطة القضائية أو سلطة يجب عليها إبلاغ السلطة القضائية عن جريمة يعرف أنها لم تقترف، ومن كان سبباً في مباشرة لتحقيق تمهيدي أو قضائي باختلاقه أدلة مادية على جريمة كهذه». النيابة العامة أحالت قضية سارة أمام محكمة صور الجزائية لتحاكمها بجنحة المادة 402.
وفيما أسقط الزوج حقوقه الشخصية تجاه سارة، رأى رئيس المحكمة القاضي بلال بدر أن عناصر الجنحة في تلك المادة لا تنطبق على ما فعلته سارة التي «لم تخبر سلطة قضائية أو سلطة عليها إبلاغ السلطة القضائية عن أنها مخطوفة، بل اتصلت بزوجها الذي أبلغ فصيلة الدرك». ووجد بدر في نص حكمه أن تصرفها «لا يعدو كونه مجرد محاولة لاستعطاف زوجها ودفعه إلى الاهتمام بها وليس فيه أي اختلاق لأدلة مادية من قبيل ما تشترطه المادة 402». وقرر بدر إبطال التعقبات بحق سارة.
لولا نظرة القاضي في «جرم» سارة، لكانت الزوجة في السجن وجعلها عنف زوجها مجرمة. أما سهام، فإنها لن تفلت من تلك الصفة بنظر المجتمع؛ إذ انتقمت من زوجها بصورة أعنف من عنفه بحقها، برأي كثيرين. لكن ألا يشكل إقرار قانون حماية المرأة من العنف الأسري في المجلس النيابي ووضعه حيز التنفيذ، إنقاذاً من الجرمين على السواء، العنف الأسري والانتقام منه؟