جميعنا عشنا الصدمة. كلّنا شاهدنا أمينة إسماعيل ترمي بنفسها من الطبقة الثامنة من تلك الشقة «الجديدة» في الرملة البيضاء. البعض تأثّر نفسياً بالفيديو المسرّب والبعض الآخر تناقله على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أنّها جريمة أخرى من جرائم العنف الأسري المزدهرة في الآونة الأخيرة، وأنّ الزوج هنا هو وحش كاسر آخر يقوم بتصوير زوجته «بأعصاب باردة»، لحظة انتحارها، وآخرون رفضوا حتى مشاهدة ما جاء في الفيديو. لكن النتيجة كانت أنّه، منذ صباح أمس، كثرت الأقاويل والتحليلات والنقاشات حول مقطع الفيديو الصغير الذي ظهر على اليوتيوب. لكن الحقيقة أننا شاهدنا فقط المشهد الأخير من فيلم طويل. حياة أمينة وزوجها لا يمكن أن تُختصر بما شاهدناه، والفيديو لا يمكن أن يكون منصّة لإطلاق الأحكام. وحدها التحقيقات القضائية ستكشف لنا شيئاً فشيئاً كلّ ما لم يظهر في ذلك الكادر، في ذلك المشهد الأخير الذي صوّره زوج الضحيّة بهاتفه النقّال. اللقطة الأخيرة بالذات هي التي أثارت التساؤلات لدى الناس. فمنهم من برّر المشهد بكون الزوج يعرف نية زوجته بالانتحار فقرّر تصوير الحادثة حتى يبرّئ ذمّته لاحقاً. والبعض الآخر تساءل عن اختياره الوقوف بعيداً عنها للتصوير عوضاً عن مساعدتها والهرع إليها لمنعها من الانتحار. هذه التحليلات كانت بنظر البعض أدلّة كافية لإدانة الزوج واعتبار أمينة ضحيّة أخرى من ضحايا العنف الأسري.
لمحاولة فهم، ولو قليلاً، ما جرى في تلك اللحظة، في ذلك المشهد الأخير، استعنّا بالمعالج النفسي أمين ملّاط ليقدّم تحليلاً لمقطع الفيديو الصغير الذي ظهر على يوتيوب. مع التشديد على أنّ ملّاط لا يعرف شيئاً عن حياة أمينة أو زوجها، وتحليله يقتصر فقط على مقطع الفيديو الذي انتشر على الإنترنت. يقول ملّاط إنّه يمكن الاستشفاف من الفيديو هذا أنّ أمينة تعاني من الاضطراب الثنائي القطب. أحد القطبين يجعل من الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب دائمي الحركة والقطب الآخر يجعلهم مكتئبين، تراودهم أفكار حول الانتحار، لكن هذا الشخص غالباً ما لا يفصح عن أفكاره هذه، بما أنّ من يريد لعملية انتحاره أن تنجح لا يفصح عنها. يقول ملّاط: «أرجّح أن تكون أمينة قد عاشت حالة تدهور تدريجيّ نحو الكآبة. ويبدو أنّه كان لديها استعداد وراثي لذلك، وإلا لما كانت انتحرت. وإنّ أيّ صدمة قد تكون عاشتها في زواجها، مهما كانت عميقة، يمكن أن تؤدّي عادة إلى تفاقم مشاكل نفسيّة لديها، لكنها لا تؤدّي إلى خلق الاضطراب الثنائي القطب». ما يدلّ على اضطراب أمينة بالنسبة إلى ملّاط هو الطريقة التي رمت بنفسها بها عن الشرفة، إذ هي لم تبد خائفة أو مضطربة، بل كانت منفصلة تماماً عن الواقع. فالشخص المصاب بهذه الحالة ينفصل عن الواقع أمامه ويصبح صعباً على الآخرين مخاطبته أو التأثير فيه. من هنا يضيف ملّاط أنّه بالنسبة إلى المعالجين النفسيين، هناك طريقتان للتعامل مع هذه الحالة. الأولى هي في الابتعاد عن التفاوض مع المريض (وهو ما فعله الزوج في الفيديو) ومحاولة إدخاله في حوار بعيد عن موضوع الخطر، يعيده إلى الواقع شيئاً فشيئاً. والطريقة الثانية هي فقط محاولة التقاطه جسدياً، إن أمكن، وإبعاده عن الخطر. أمّا في ما يخصّ الزوج فيقول ملّاط إنّه «يبدو أنّه كان يعرف بحال اكتئاب زوجته، كما أنّها ربما ليست المرّة الأولى التي تحاول فيها الانتحار، بما أنّ الرجل لا يبدو أنّه يقف أمام هذا المشهد للمرّة الأولى». نشير هنا إلى أنّنا حاولنا الاتصال بزوج أمينة لكنه رفض الحديث مع الإعلام، ولم تتّضح لنا وجهة نظره. يضيف ملّاط «من خلال مشاهدتي فقط للفيديو، لا أتّفق مع فرضيّة أنّ الزوج صوّر انتحار زوجته ليدحض الشكوك التي يمكن أن تنشأ من حوله، بل أعتقد أننا أمام شخص عاش صدمة في تلك اللحظة وكان يصوّر المشهد (عن غير قصد) وهو مصدوم، ونحن شاهدنا الفيديو وأصابتنا الحالة نفسها من الذهول». بالنسبة إلى ملّاط، التفسير المنطقي لتصوير الزوج لانتحار أمينة هو أنّه «على الأغلب كان يصوّر شقتهما الجديدة حين فوجئ بها وهي على حافة الشرفة. لماذا لم يرم هاتفه في تلك اللحظة؟ أو لماذا لم يهرع ليلتقطها؟ لا أحد يمكن أن يحلّ مكان الآخر في مثل هذه اللحظة أو يتوقّع ردّ فعله. برأيي، ولو أنني لست واثقاً بما أنني لا أعرف شيئاً عنهما، أنّ الزوج صُدم نفسياً في تلك اللحظة، وانشغل عنها وعن إقناعها بالعدول عن الانتحار ونسي ما يفعله هو. فبقي الهاتف بيده. كأنه وجد نفسه فجأة وسط حادث وهو يحاول الخروج منه. فأصبحت حركته أوتوماتيكيّة في الوقت الذي شعر فيه أنّ الموضوع انتهى، وأنّه سيفقد زوجته في تلك اللحظة. صراخه بعد انتحارها يدلّ على فقدانه أي سيطرة على نفسه، كما أنّه لم يتوجّه نحو الشرفة لأنّه لم يكن يريد أن يرى بعينيه ما حدث».
بالنسبة إلى ملّاط، هذا كلّ ما يقوله مقطع الفيديو الصغير. يبقى على التحقيقات القضائية أن تكشف القصة كاملة حتى نعرف ما الذي قاد أمينة إسماعيل إلى تلك اللحظة.