في العام 1994، ذهب المصور الإفريقي كيفن كارتر (33 عاماً) الى السودان يستقصي حالات المجاعة بعد حرب أهلية عصفت بالبلاد، فكانت صورته الشهيرة التي تحولت الى أسطورة وفتحت الجدل واسعاً في عالم الإعلام وأخلاقياته عندما صوّر اقتراب نسر يبحث عن طريدة من طفل سوداني هزيل يعاني المجاعة. فضّل الصحافي وقتها التقاط اللحظة وترك الطفل يواجه مصير الموت وانتهى الأمر بانتحاره بعد ثلاثة أشهر من التقاطه لهذه الصورة.
الأمر نفسه يذكرنا بما حصل أول من أمس مع أمينة اسماعيل التي أقدمت على الإنتحار في منطقة الرملة البيضاء وقام زوجها بتصوير هذه الحادثة من دون أن يرف له جفن للمساعدة. هذا الفيديو على قساوته والعنف المحتوي عليه خرج من جعبة المدونة لونا صفوان التي وعدت بنشر الفيديو مرفقاً بشهادات لشهود عيان من المنطقة. وسرعان ما انتشر الشريط كالنار في الهشيم على مختلف وسائل التواصل الإجتماعي والمواقع الإخبارية للقنوات المحلية وعلى الشاشات. أضحى المشاهد أمام جريمة فردية تحولت سلعة في يد هذه الوسائل مع الضرب بعرض الحائط كل أخلاقية مهنية وحتى إنسانية.
عملية نشر الفيديو التي تخطت كل منطق ومهنية وعنونتها هذه الوسائل بـ «شاهدوا الفيديو» بدلاً من إيرادها بشكل خبري يحكي الجريمة، تشي بغاية علنية لدى ناشريها بإحداث المزيد من الإثارة والإستقطاب. استاذ الصورة في الجامعة اللبنانية عباس مزنر وصف عملية التسريب والنشر بأنّها كسرت كل منظومة القيم وهي غير معزولة عما ينشر أخطر منها على الفضائيات من أشرطة لإعدامات جماعية ومجازر وقطع للروؤس وانتهاك للحرمات الإنسانية. والهدف كما يقول لـ "الأخبار" تحريك حواس المشاهدين وتحريضهم بغية التجييش وتأمين نسبة مشاهدة عالية. وقد رسى هذا النمط ثابتاً مع خطاب جديد للصورة ساهمت فيه بشكل أساسي وسائل التواصل الإجتماعي. وعن الأثر الذي سيخلفه نشر حادثة فردية أصبحت صورها بين أيدي النشطاء وفي أذهان المتلقين، يوزع مزنر مترتبات هذا النشر على شقين: الأول يتمثل في مقاومة هذه الصورة إذ يضحي المشاهد متلقياً إيجابياً وذا ثقافة ووعي يستطيع من خلالهما الرفض لهذه المشاهد ويستشهد بحادثة صورة سحل الصوماليين من قبل القوات الأميركية التي لاقت ردة فعل معارضة من قبل الشعب الأميركي وادى ذلك الى انسحاب هذه القوات من هذا البلد. أما الشق الثاني فهو يطال بعض الشرائح بما أنّ المجتمع الذي نخالطه ليس متجانساً وهنا يكون الأثر سلبياً يتمثّل في تخلي المجتمع عن انسانيته وترك مصير إنسان مهدد بالموت يلقى مصيره. في هذه الحالة يصبح الترابط الإجتماعي مفقوداً وكذلك الروح الإنسانية.
وفي تعليق له على ما أقدمت عليه المدونة من نشر للفيديو، يلفت مزنر الى أنّ الشابة قامت بنشر جريمة ووسائل الإعلام من خلفها ساهمت في هذا الموضوع بغية الإستقطاب والإثارة. ومع ذلك نستطيع القول بأن هذا العمل خلق إشكالية في إيصال ونشر الحادثة لكن تبقى طريقة النقل والأهداف المعلنة والمبيتة لهذه الناشرة ومدى ملاءمة النشر مع المصلحة العامة أمور تحوطها علامات استفهام كثيرة.