يمكن للوقت أن ينسينا أشياء كثيرة لكنه ليس قادراً على كلّ شيء. ماذا نفعل عندما نكتشف أنّ الزمن الذي اعتمدنا عليه لمحو آثار آلام الماضي، وردّ الحياة إلينا، لنكمل ما تبقّى لنا من أيام على هذه الأرض، لا يستطيع جرف كلّ شيء؟ هل نبكي؟ عليكم أن تنظروا في وجه عواطف لتعرفوا ما يعنيه إهمال الزمن لمآسينا وعبوره من فوقها.


وجه عواطف هو مرآة كل الأحزان وكأنّ الدموع العالقة في عينيها هي جزء مكوّن لوجهها. لم يحاول الزمن حتى، جعلها تنسى ولو بعد عشر سنوات، رحيل ولديها. لم يرحل ولديها بسبب حادث سير، بل رحلا بسبب العنصريّة. رحلا لأنّهما سودانيّان، طفلان سودانيان فقيران، أتيا يبحثان عن ملجأ لهما ولأطفالهما من الحرب الطاحنة في دارفور. هل هناك أفظع من ذلك. ربما بقاء من أضرم النار في في منزلها الصغير في 25/10/2003، حراً طليقاً من دون أيّ عقاب، يلاحقهما ويهدّدهما في كل لحظة، هو ما يجعل النسيان أيضاً أكثر صعوبة. فبسبب مشكلة بين سكّان مبنيين في منطقة البطريركيّة، رفض فيها زوجها أن يكون طرفاً ويتوقف عن العمل في أحد المبنيين كي لا يحرم أولاده لقمة العيش، قام أحد السكّان الغاضبين، بحسب عواطف، بإضرام النار في بيتهم.
في ذلك اليوم المشؤوم، سكب الرجل البنزين داخل شباك غرفة الناطور الصغيرة وأضرم النار فيها. طفلا عواطف كانا يجلسان تحت الشباك مباشرة. احترقا. فقدتهما في شجارات سخيفة بين سكّان مبنيين. تقول عواطف: «ربما أراد مضرم النار أن يحرق المنزل فقط، لتكون رسالة فقط لخصمه في المبنى الآخر، أو أراد فعلاً أن يقتل زوجي بسبب شجاراتهما الكثيرة أو أراد أن يقتلنا كلّنا معاً، لا أدري. لكنه قتل أطفالي، هذا كلّ ما أعرفه». إضرام النار في غرفة الناطور لا يكلّف الجاني بقدر ما تكلّفه أي جناية أخرى. فالدنيا مراتب ومقامات، ولا أحد يهتم لأمر ناطور سوداني. سكّان المبنى رفضوا الشهادة إلى جانب عواطف بعدما اشتكت على مضرم النار. فالأخير أقنعهم بأن موت الطفلين البالغين من العمر ثلاث سنوات وسنة وثمانية أشهر، كان حادثة غير مقصودة. كلّ ما أراده هو إشعال الغرفة وإخافة الناطور! فالتفوا جميعهم حول جارهم، إذ إنّ طفلين سودانيين لا يستحقان أن يقضي الجار «المتعلّم» أي عقوبة من أجلهما في السجن. فأقفلت القضيّة. و«أصبحنا نهرب مثل الجرذان من مكان إلى آخر والجاني يلاحقنا طالباً بوقاحة مبلغ خمسين ألف دولار، كتعويض له عن تشويه سمعته! وتسألون عن القهر» تقول عواطف.
الإثنين الماضي، قرّرت عواطف أن تبدأ اعتصاماً، وحدها، أمام المفوضيّة العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فهي منذ وصولها إلى لبنان في العام 2000 مع زوجها وهي، أو زوجها، لم يسجّلا في سجلّات المفوضيّة كلاجئين. قبل العام 2003 برّروا رفض طلب لجوئهما بكون «أهل دارفور لا قضية لهم»، وبعد اشتداد الحرب وانتقالها إلى شاشات التلفزة، صاروا يطلبون من عواطف أن تقدّم في كلّ مرة طلب لجوء، ولكن من دون نتيجة. فقررت عواطف أن تعتصم. لم يعد بمقدورها الاحتمال. «يريدون أن يرونا مذلولين. إن لم يرونا نذلّ لهم، لا يلتفتون إلينا. عندما نقدّم طلباتنا بكرامة لا يعيرونها أيّ اهتمام». أمس، بكت عواطف. بقيت تبكي الصباح كلّه أمام المفوضيّة. عندها فقط خرج الموظّفون من مكاتبهم وسألوها عن قضيّتها بعد ثلاثة أيام من الاعتصام، وأعطوها لأول مرّة، منذ 13 عاماً، موعداً لمقابلة، من أجل إعادة النظر في قضيتها. ماذا تريد عواطف اليوم؟ لا تجرؤ على القول إنّها تريد التوطين في بلد يحترم إنسانيتها، بل تريد فقط أن تصدّق الموعد. أن تصدق أنّ موظّفي المفوضيّة سيستقبلونها في الخامس من الشهر المقبل لينظروا في قضيتها. ابنها الكبير وحده من يجعلها تكابد. تريد أن تخرجه من هنا. تقول عواطف، إنّ ابنها المراهق البالغ من العمر 17 عاماً رأى ما حصل لأخويه، ويعرف من فعل ذلك بهما، وتابع التهديدات التي يتلقاها أهله، فأصبح عدائياً تجاه الجميع. وتضيف: «كل ما يفكّر به هو الانتقام وأنا أخاف عليه من أي فعل متهور. أريد أن آخذه إلى بلد يعامل ابني كأي شاب متعلّم ويفتح له مجالات العمل، وأن يبتعد عن كلّ ما حصل هنا».
أمس أنهت عواطف اعتصامها حتى ترى ما سينتج من موعد المفوضيّة. لكن أمس أيضاً بدأ مجاك مجاك وخديجة، سودانيان آخران، وداك محمد بري الصومالي الجنسيّة اعتصامهم أيضاً أمام المفوضيّة. يجلس داك أرضاً ويمدّ رجله الملفوفة بالضمادات ووسطها سيخا حديد. لا يعرف إن كانت رجله هي التي ستنهيه أو أنهم سيبترونها له لاحقاً. يحاول إخفاء الجزء المتورّم منها، والرائحة المنبعثة منها أيضاً، بالضمادات والجوارب. صدمت سيارة داك نهاية العام الماضي. وجد نفسه بعدها في المستشفى، داووا جراحه وطلبوا منه العودة لمتابعة العلاج، لكنه لا يملك المال لفعل ذلك. رجله بقيت طعاماً للجراثيم منذ ذلك الوقت. خسر عمله بسبب وضعه الصحي وبعدها مكان سكنه، وهو اليوم ينتظر من يحنّ عليه بنظرة، من شباك المفوضيّة، رغم أنّه يحمل بطاقة لاجئ منذ العام 1995. داك طلب أيضاً من خديجة أن تعتصم معه. هي الأخرى لا تملك ما تطعم به ابنتها الصغيرة، أو ابنها القادم بعد شهر. ليس لدى ابنة خديجة سوى الفستان الذي تلبسه. تنام مريم قريرة العين على الحصير، وتترك أمّها تنظر إليها وتبكي قلقاً من الآتي. تقول خديجة ساعدتني المفوضيّة الشهر الماضي بمبلغ مئتي دولار لدفع الإيجار، لكن المبلغ لا يكفي. فأنا لا أملك برّاداً أو أي شيء في الغرفة، يسمح لنا بالعيش أنا وابنتي وطفلي القادم بشكل لائق. حتى لا أملك أي شيء لألبسه للطفل الجديد. الطفل في بطن خديجة الذي اقترب من الاكتمال، يمنعها من العمل. لكنه أيضاً يذكّرها بأمور سيئة كثيرة. يذكّرها أنّ زوجها، بائع الخضار، قتل في سوريا منذ أقل من سنة، ثم بحادثة اغتصابها، لتهرب بعدها مع ابنتها وحملها الجديد من المغتصب إلى لبنان. وهي اليوم تبدأ اعتصاماً أمام المفوضيّة لتبحث عمن يساعدها. أعطيت خديجة أيضاً موعداً بعد شهر. لكنها قلقة ممّا سيحصل معها خلال كل هذا الوقت. فهي لا تملك غير الثوب الذي تلبسه، فكيف ستحتمل بعد شهراً آخر من هذه الحياة، وموعداً لا تعرف إن كان سيأتي بنتائج أم لا.




مجاك عالق خارج بلاده

للاجئ السوداني مجاك مجاك قصّة مختلفة. ليست مختلفة مع الفقر والعوز والعنصريّة، إنّما هي مختلفة في كونه يريد العودة إلى بلاده ولا يجد من يعيده! مجاك هو من جنوب السودان. هرب خلال الحرب، وهو اليوم يريد العودة إلى بلاده. لكن انتهاء صلاحيّة أوراقه وحاجتها إلى التجديد، وعدم وجود سفارة لجنوب السودان تعقّد الأمور. فالسفارة السودانية ترفض تجديد أوراقه بما أنّه أصبح ينتمي إلى دولة أخرى. والأمن العام، بحسب مجاك، لا يستطيع أن يرسله إلى بلده بسبب أوراقه والمفوضيّة لا تساعده. هو يطلب العودة الطوعيّة، ولا يجد من يؤمّن عودته إلى بلاده. لذلك قرّر هو الآخر أمس الانضمام إلى المعتصمين الثلاثة أمام المفوضيّة العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، علّها تؤمّن عودته إلى بلده.