بات يمكن اجتياز الطريق بين طرابلس ونقابة المعلمين في بيروت بثلاثة أرباع الساعة فقط، يقول أمين سر رابطة التعليم الأساسي الرسمي بهاء تدمري باستغراب لزملائه في هيئة التنسيق النقابية. ينقل الرجل الذي حضر الاجتماع الاستثنائي للهيئة، برفقة رئيس نقابة المعلمين نعمه محفوض لأعضاء الهيئة، أجواء عاصمة الشمال بعد التفجيرين الإرهابيين «السير خفيف جداً والجو مسموم، وما حدا إلو قلب يطلع من بيتو إلا للضرورات القصوى».
يتوقف عند خطورة مشهد أن يتحوّل رجل الأمن إلى مظلة غير آمنة للمواطنين، فيخافون مثلاً من السير أمام موكب سيارات أو آلية عسكرية يظنون أنّها باتت عرضة للاستهداف من المجموعات المسلحة وأمراء الشوارع. وفيما يؤكد أهمية «حمايتنا من الشرعية اللبنانية»، يرى أنّ هيئة التنسيق المتنوعة بأطيافها تستطيع أن تمارس تعبئة جماهيرية تفوق أهميتها المسيرات والتحركات الميدانية، على قاعدة أنّ «المجرم لا طائفة له ولا دين وأن الأمن الذاتي مرفوض بكل أشكاله»، بحيث تلتقي هذه التعبئة مع مبادرات المجتمع المدني الرافضة للإرهاب وزهق الأرواح.
يقول محفوض: «سنعد خطة للتحرك المنظم من أجل السلم الأهلي لأننا ببساطة ندّعي أننا مواطنون صالحون حريصون على أمن البلد الذي سيكون في رأس سلم أولوياتنا». نسأله: ألا تخافون من التجمعات والتظاهرات في هذه الظروف؟ يجيب: «هذا ما سندرسه في الاجتماع، لكن اللبنانيين أصحاب الدخل المحدود مثلنا ليس لديهم مكان بديل غير وطنهم، ومطالبون بالحفاظ عليه ضد العنف والاقتتال».
يعزي أعضاء الهيئة بعضهم بعضاً قبل أن يطرحوا السؤال اليتيم الذي بات يطرحه أخيراً كل اللبنانيين «ماذا بعد، وأي منطقة ستكون هدف التفجير المقبل؟ ومتى يأتي دورنا؟». وتعليقاً على الأفكار التي تراود بعض الأساتذة بتغيير أماكن سكنهم أو عناوين مدارسهم، يقولون «هذا الإجراء لن يفيد ما دام ليس هناك مكان آمن».
إذاً، مسلسل التفجيرات الدموية أعاد ترتيب أولويات تحرك هيئة التنسيق. وفرض برمجة جديدة للمواعيد. لن تستمر الهيئة في برنامجها المعلن سابقاً بشأن توقيع عريضة المليون هذا الأسبوع. سترجئه إلى موعد آخر وستستعيض عنه بجمعيات عمومية تنظمها يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين في 2 و3 أيلول في المدارس والثانويات ومعاهد التعليم المهني وفي الوزارات والمؤسسات العامة كافة، لشرح مخاطر الفتنة وسبل الحفاظ على السلم الأهلي.
التوقيت يتزامن مع انطلاقة الأعمال التحضيرية للعام الدراسي الجديد في المدارس. وهنا تأكيد وإصرار من الهيئة على أهمية تسيير هذه الانطلاقة بصورة طبيعية والالتزام بالمواعيد المحددة رسمياً، في انتظار ما ستكشفه الأسابيع المقبلة من تطورات أمنية وسياسية، وإفساحاً في المجال أمام اللجنة النيابية الفرعية التي وعدت برفع تقريرها حول السلسلة في نهاية أيلول المقبل.
كذلك ستنفذ هيئة التنسيق 4 اعتصامات أمام السرايا الحكومية في مختلف مراكز المحافظات وأمام وزارة التربية في بيروت، عند العاشرة من صباح الأربعاء 4 أيلول المقبل.
وهي ستسعى كما تقول إلى توحيد المبادرات الصادرة عن الهيئات النقابية ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الشبابية والطلابية للاتفاق والتداعي إلى خطوات منسقة بهدف تعزيز الاستقرار الأمني وإعلان موقف شعبي وطني موحد في وجه الإرهاب وإعلاء صوت السلم الأهلي الذي يهدده جدياً دعاة الفتنة
والفوضى.
وتؤكد إيمانها بوعي اللبنانيين «الذي سبق وانتصر على كل مظاهر الانقسام والفوضى، وهم قادرون على الانتصار مجدداً، فوحدة لبنان واللبنانيين أمتن من أن تسقط نتيجة تهديد من هنا أو تفجير من هناك».
وبما أنّ أكثر الخاسرين من التفجير الأمني هم الفقراء، لم تنس الهيئة تذكير المسؤولين الرسميين بتوفير الأمن لهم وعوامل الاستقرار الاجتماعي.
وهي دعت أيضاً إلى تفعيل دور المؤسسات الرسمية لتعزيز قدرات القوى الأمنية والعسكرية وتمكينها من القيام بواجباتها على أكمل وجه، فالأولوية المطلقة اليوم هي لتفويت الفرصة على الساعين الى زرع الفوضى في البلاد.
وإذ ترفض التسيب الحاصل في مؤسسات الدولة، تدعو إلى تأليف حكومة فوراً للاضطلاع بمهماتها الوطنية.
وكانت دعوة إلى الهيئة العليا للإغاثة لدفع التعويضات اللازمة للمتضررين كافة، مستنكرة استهداف الأبرياء الآمنين في مراكز عملهم
ومنازلهم.