ركض الجميع في اللحظة التي وقع فيها انفجار الرويس في الضاحية الجنوبية لبيروت. منهم من ركض بعيداً عن مكان الانفجار، ومنهم من ركض صوبه، إلا الجيران السوريين ركضوا باتجاه منازلهم. دخلوها تباعاً، وأقفلوا الأبواب خلفهم.
ملاحظة لا تنتبه إليها في حينه. لكن الساعات التي تمرّ طويلة إثر الانفجار تذكّرك بغياب أي حركة لهم في البناية. لا جارة تطرق الباب وتسأل عمّا حصل، ولا أطفال يحملون طبق اليوم إلى مواطنيهم في البناية المقابلة، ولا ناطور يغسل الدرج.
اختفوا فجأة. في اللحظة التي فتحتَ فيها الباب لتركض باتجاه الدخان المتصاعد، كان الجيران يغلقون باب المصعد، ثم باب الشقة، من دون أن ينظروا إلى الخلف. لا تحية ولا سؤال. مثلهم فعل الناطور. كنس الزجاج المحطّم عند باب المحل، صعد إلى منزله، ولم يظهر إلا في اليوم التالي. الفتى العامل في محل المياه اختفى أيضاً. أما ناطور البناية المواجهة لمكان الانفجار فلم يخرج من غرفته أصلاً. بقي أكثر من نصف ساعة جالساً فيها، ورأسه بين كفيه. هكذا يصف الشبّان، الذين افتقدوه، حاله عندما دخلوا إلى غرفته للاطمئنان إليه.
في الطبقة الأولى من البناية نفسها، كان الزجاج يغطي عشرات الفرش المصفوفة، التي ينام عليها العمّال السوريون المقيمون هناك. لم يصب أي منهم بأذى، لم يكونوا قد عادوا من أعمالهم بعد. أما الفتى العامل في إيصال المعجنات إلى البيوت، فقد عُدّ مفقوداً لساعات، قبل أن يُعثر عليه جريحاً، مثله مثل العاملين في محل الحلويات. وحدهم العمّال في محل الخضر قيل إنهم هربوا. شاهدهم سكان الحيّ يركضون خارج الضاحية فور وقوع الانفجار. توارى السوريون عن الأنظار، في وقت كانت فيه عبارات من قبيل «لم نعد نريد سوريين في الضاحية» ترتفع في الشارع. إنها المرة الثانية التي يرتفع فيها هذا الصوت علناً. المرة الأولى تلت انفجار بئر العبد، ويومها أيضاً، توارى السوريون عن الأنظار إلى أن تهدأ العاصفة. بعضهم ضُرب، فيما لجأ أحدهم إلى شخص له كلمة مسموعة في الحي وطلب منه الحماية. فخرج الرجل وأعلن أن جميع السوريين في الحي في حمايته الشخصية.
هدأت النفوس في اليوم التالي. خرج الجيران وألقوا التحية، وعاد الناطور يمارس عمله المعتاد. واستأنف الأطفال مهمة تبادل أطباق الطعام. لكن شيئاً ما كان قد كُسر. لم تعد العيون تتلاقى، وتغيّر لون الابتسامة التي ترافق إقفال بابي الشقتين المتواجهتين. لا تعرف من منهما يتجنّب مواجهة الآخر، ويحيد بعينيه بعيداً كي لا تفضح العيون ما يدور في البال من أسئلة.
هو يعتقد أنك تتهمه، وأنت تشعر بالخجل لأنك غير قادر على طمأنته. لا كلام يقال. حتى عبارات الاطمئنان قد تُفهم بشكل خاطئ، لذا يخرج السؤال مباشراً «هل تعرّض لك أحد؟» فيجيب الناطور بالنفي. فيما يبادر آخر إلى تقديم «براءة الذمة»: أنا أقيم هنا منذ 11 عاماً والكلّ يعرفني. لم يتعرّض لي أحد، بل افتقدني شبان الحيّ عندما تأخرت في الخروج من الغرفة. لا يعجب سؤالك جارتك اللبنانية. صاحبة العينين الجميلتين تجرح بنظراتها الاتهامية كلّ السوريين الذين تعرفهم. تحاسبهم على كلّ تصرّف، حتى على القناة التلفزيونية التي يشاهدونها «ما إن دخلت إلى المحل، حتى غيّر العامل المحطة من قناة العربية إلى قناة المنار، وقال لي ضاحكاً: أسمعهم لأكشف كذبهم». برأيها «فليشاهد ما يريد، لكن لا يكذب عليّ؟ من طلب منه أن يبرّر ماذا يشاهد؟». تصرّفه يعني أنه يخفي أمراً. لا يقنعها القول إنه قد يكون خائفاً «وممّ يخاف؟ ماذا نفعل لهم؟ رأيت بعينيك كيف حماهم زوجي أمس».
صحيح أن زوجها حماهم. لكن الأمور لم تسر كما يشتهي في منزله. لقد عاتبته بانفعال «وكيف تثق بأنهم غير مرتبطين بمن يضع التفجيرات؟ ماذا لو فجّرونا غداً؟». السؤال نفسه كان موجوداً على وجوه أولاده. لمح الخوف في عيونهم، ورغبة في أن يسمعوه يقول لهم ما يطمئنهم. لم يبخل. جلس يقنع عائلته الصغيرة، ومن دخل محتجاً من الجيران، بضرورة استيعاب السوريين وعدم التعامل معهم بعدائية. أخبر عن «الحرب التي عشناها ونعرفها أكثر من غيرنا». سرد وقائع كثيرة يعرفونها عن التهجير. قال لهم إن مجرد محاسبة السوري على جنسيته حرام، مستشهداً بأحداث الحرب الأهلية «التي كان فيها أبناء المنطقة هم الذين يهددونها أكثر من أي طرف خارجي آخر». أكد الجيران كلامه، كلّ من تجربته مع الحرب، ولكن ... دعك من الأمن، يقول خمسيني «أنت تحاضر فينا بالإنسانية منذ ساعة، وكلّنا معك. لكن أخبرني، ماذا ستفعل عندما تصبح العائلة المقيمة في البناية ثلاث عائلات؟ وربما أكثر؟ ماذا ستفعل إذا انقطعت مياه الخدمة وهي سبب مشاكلنا اليومية؟ ألن تحمّلهم المسؤولية؟ هم لن يعودوا غداً إلى بلادهم. حربهم طويلة». كان يمكنه أن يجيب، لكنه اختار الصمت. تذكّر أن هناك من قال له: الفرق كبير بين النظرية والتطبيق.