ما لم تلتهمه ألسنة النيران تتكفل به مناشير تجار الحطب. مساء أول من أمس خمدت الحرائق في غابة القلة في أعالي جرود عكار، لكن أصوات الفؤوس وهي تعمل تقطيعاً في أشجار الأرز والشوح المعمرة لا تزال تقض مضاجع حماة البيئة في المنطقة.
عمر نور الدين، مراقب بلدية مشمش، التي تقع الغابة ضمن نطاقها البلدي، يلح على إثارة موضوع قطع الأشجار باعتباره المقدمة الطبيعية لافتعال الحرائق، حيث يعمد بعد ذلك تجار الحطب إلى قطع الأشجار المحروقة وغير المحروقة (على حجة العود المحروق بيقطع شجرة خضرا). يناشد نور الدين في اتصال مع «الأخبار» وسائل الإعلام جعل جريمة قطع الأشجار «جرسة طويلة عريضة»، لعلّ ذلك يثير الأجهزة الأمنية المعنية، و«تتكرم بإرسال عنصرين فقط لا غير» لمراقبة طريق قنزوح – القلة، وتوقيف تجار الحطب الذين «ينقلون الحطب جهاراً نهاراً بغرض البيع، النقلة بـ 700 ألف».
غابة القلة تقع على قمة جبل تحيطها الأودية من جهات بلدتي مشمش وحرار وقضاءي الهرمل والضنية، الغابة عذراء كما يقول رئيس جمعية «بلدتي بيئتي» نزيه قمر الدين، ولوعورة الطريق المؤدية إليها ما من ملوثات فيها، وبالتالي فالحريق «مفتعل مئة بالمئة».
ويضيف قمر الدين إن ملكية الغابة تعود لعائلات من بلدتي حرار ومشمش العكاريتين، ولعشيرة آل علوه الهرملية، كما أن 15% من الغابة جرى قطعه نهائياً، وهو يحمّل بعض الأطراف ممن «يضعون يدهم» على الغابة المسؤولية، باعتبار أن المنطقة غير ممسوحة، ومسألة الملكية مبنية على وضع اليد في إطار تفاهمات، غالباً ما تتعرض لانتكاسات، فتؤدي إلى مشاكل وتوترات بين أهالي عكار في ما بينهم، وبينهم وبين عشائر
الهرمل.
إدراكاً منه لخطورة الانفلات الأمني، ولا سيما ما يتصل بالاحتقان المذهبي، يفضل رئيس بلدية مشمش عبد الرحمن الحاج تناول الموضوع من باب اعتبار «الطبيعة ملكاً الجميع»، وعلى عاتق الدولة اللبنانية حماية أشجار الأرز والشوح التي يزيد عمر بعضها عن ألفي سنة. وبناءً عليه فقد اتصل رئيس البلدية باستخبارات الجيش اللبناني في عكار للمساعدة على إطفاء الحريق، فجاء ردهم أن المنطقة خارج نطاق عملهم، وبعد اتصالات حضرت دورية من البقاع، وتمركزت ثلاث آليات مقابل الحريق.
وذكر الأهالي أنهم ناشدوا قيادة الجيش إرسال طوافات عسكرية للمساهمة في إطفاء الحريق، بالنظر إلى وعورة المنطقة، لكنهم لم يتمكنوا من إخماده إلّا بعد يومين على اندلاعه، من دون ان تصل الطوافات، وذلك بجهود مضنية قام بها أبناء المنطقة بمساعدة عناصر الجيش اللبناني، مستخدمين وسائل تقليدية لأن سيارات الإطفاء تعجز عن بلوغ مكان الحريق. وقد أفاد موقع مشمش الإلكتروني بأن «غابة القلّة كادت تفنى، لكن أنقذتها العناية الإلهية من كارثة مفتعلة».