طهران | يعيش الكثير من الأزواج حسرة عدم الإنجاب. ورغم تطوّر الطب أشواطاً عن قبل، إلاّ أنه تبقى بعض الحالات مستعصية على العلم. لكننا اعتدنا في مجتمعاتنا أن يقود غياب الأطفال في حياة العديد من الأزواج، إن لم يكن معظمها، إلى الانفصال أو إلى زواج ثانٍ. إذ لا يجد الكثير من الناس الحرج في القول إنّ الهدف الأساس من الزواج هو الإنجاب. هكذا يحاول أبو علي مثلاً، إسداء النصح لابنته المقبلة على الزواج ويقول لها: «شئنا أو أبينا لا قيمة للزواج من دون أطفال، وهو أصلاً لن يدوم بدونهم».


وجود طفل في العائلة هو أمر غاية في الأهمية في مجتمعاتنا بحسب الاختصاصي في تقنيات الإخصاب الصناعي وأطفال الأنابيب شادي فقيه. ويشير إلى أنّ نسبة النساء في العالم العربي اللواتي تعدّين «سنّ الإنجاب» المتعارف عليه واللواتي يحاولن الإنجاب هي أعلى بكثير من النسبة الموجودة في أوروبا. كيف لا، والطفل في ثقافتنا يعني استمرارية الذِّكر والنسل؟
رغم كلّ ما قد يحاولون فعله، إلا أنّ بعض الأزواج يبقون غير قادرين على الإنجاب، فيشتهي بعضهم التبّني. لكن هذا الخيار ليس شائعاً في مجتمعاتنا، أولاً لأنه لا يسري في عروق الطفل المتبنّى دم العائلة، بحسب الثقافة السائدة. ثانياً، لأنّ من المتعارف عليه أنّ الطوائف المسلمة لا تقبل بفعل التبني، بل تقترح مكانه موضوع الكفالة، الذي لا يشفي غليل الأهالي المحرومين من الأطفال. لكن، هل باب التبني موصد كلياً في وجه المسلمين؟
حتى قبل الغوص كثيراً في الموضوع، تبدو قضيّة التبني، كما معظم القضايا في لبنان، خاضعة لقوانين الطوائف في ظلّ غياب قانون مدني جامع للأحوال الشخصية، يسمح لمن لا يتبع أيّ طائفة أن يمارس حقّه في الزواج المدني، أو التبني أو في الحصول على غيرها من حقوقه. قد لا تكون المشكلة في حرية الفرد بالعودة إلى تعاليم طائفته لبتّ موضوع حسّاس كالتبني، ولكن العيب أن تكون الدولة غائبة بهذا الشكل الفاضح عن تنظيم أمور مواطنيها الأحرار في الاختيار.
بحث بسيط ونكتشف أنّ جمهوريّة تعتمد الشريعة الإسلاميّة أساساً لقوانينها، كالجمهورية الإسلاميّة في إيران، تحتفظ بقانون مدني لمواطنيها في ما خصّ موضوع التبني على الأقلّ! قانون التبني المدني الإيراني يعود إلى عام 1974، أي قبل الثورة الإسلاميّة، وهو يُعمل به حتى الآن. يسمح هذا القانون لمن يهتم بتطبيق الشريعة الإسلامية في حياته الشخصيّة كما لمن لا يهتم بها بتبني طفل وفقاً لشروط معيّنة. أبرزها أن يكون الزوجان قد أمضيا معاً على الأقل خمس سنوات من دون إنجاب. أن يكون أحد الزوجين على الأقل قد تخطى الثلاثين من عمره. أن لا يكون أيّ من الزوجين قد ارتكب جرماً يحاسب عليه القانون، وأن يكون أحد الزوجين على الأقلّ قادراً على رعاية الطفل مالياً. ومن جهة الطفل، عليه أن يكون ما دون الاثني عشر عاماً من العمر وأن لا يكون أحد والديه البيولوجيين أو جديه لجهة الوالد على قيد الحياة أو يطالبان برعايته شخصياً. وللذين يحرصون على تطبيق الشريعة الإسلاميّة، هناك حلول شرعيّة عدّة تسمح بالتبني، بما يعنيه ذلك من عيش الطفل المتبنى مع الزوجين المتبنيين، حتى بعد تخطّيه سن البلوغ.
لن ينفع الذهاب إلى مدير مكتب الوكيل الشرعي للإمام الخامنئي في لبنان الشيخ محمد توفيق المقداد لفهم هذه الحلول أو الإحاطة بها، بما أنّ الفقهاء هنا يفضّلون مبدأ الكفالة. ولو أننا نخبر الشيخ المقداد أنّنا نملك نسخة عن القانون المدني الإيراني، والحلول الشرعيّة الكثيرة المقدّمة من فقهاء المذهب الشيعي في إيران في هذا المجال، إلا أنه يرفض الاعتراف بوجودها، حاصراً شرعياً، موضوع التبني بخيارات قليلة. يتّفق المقداد مع مدير الشؤون الإداريّة في دار الفتوى صلاح الدين فخري على أنّ إرضاع الطفل لا يجعل منه ابناً بالنسب طبعاً، إلا أنّه يجعل وجوده في المنزل مع العائلة والإخوة أمراً شرعياً. هذه الطريقة هي الأمثل بالنسبة إلى المقداد والوحيدة عند فخري لجعل وجود الطفل في المنزل «حلالاً» على الوالدين والإخوة. الاثنان يتّخذان من قصّة النبي محمد مع ولده المتبنّى زيد بن حارثة مثالاً لما يجب أن يكون عليه التبني اليوم. إذ إنّ النبي، وفق بعض الروايات، رفض تحوّل اسم زيد بن حارثة إلى زيد بن محمد، منعاً لاختلاط الأنساب. ويضيف المقداد إنّ الآية القرآنية واضحة: «وما جعل أدعياءكم أبناءكم». ثم تزوّج النبي طليقة زيد، كي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ادعيائهم. ويضيف إنّ التبني في الإسلام بالمعنى الذي يجعل الولد الغريب كالولد من الصلب، مرفوض، إذ إنّ نظام الإرث في الإسلام قائم على الأصلاب، لا على التبني. موضوع الإرث في الإسلام هو الذي يمنع من تسجيل الابن المتبنى على خانة الوالد المتبني. هذا الموضوع وجد له القانون الإيراني، على سبيل المثال، الحلّ في تسجيل الولد، إذا كان مجهول الوالد البيولوجي، على خانة الأب المتبني وإعطائه عائلته، شرط أن يذكر على هويّة الطفل أنّه متبنّى. ولا يحق للطفل المتبنى بحسب المقداد والقانون الإيراني أن يرث الأب، لكن بإمكان الأب أن يعطي الابن ما يريد من ممتلكات في حياته أو يبيعه إياها مقابل شيء رمزي كدولار واحد أو كتاب قرآن.
الرضاعة هي الأمر الوحيد الذي يجعل من الطفل المتبنى حلالاً على الأم والأب بالنسبة إلى المذهب السني، بحسب فخري. والحلول القليلة الإضافيّة بالنسبة إلى المقداد تبقى محصورة بالزوجين اللذين لديهما أصلاً أطفال، وتبقي الزوجين اللذين لا يستطيعان الإنجاب، وهما الأكثر حاجة، خارج دائرة التبني. إذ إضافة إلى موضوع الرضاعة، يقول المقداد إنه يمكن الزوجين اللذين أنجبا صبياً مثلاً ويريدان الحصول على فتاة أن يتبنيا فتاة، شرط أن يعقدا بينها وبين ابنهما عقد زواج مؤقت، حتى تصبح حلالاً على الوالد والأخ، ويمكنها بذلك العيش في كنف العائلة حتى بعد سنّ البلوغ. وبإمكان الزوجين أن يتبنّيا صبياً بنفس الطريقة إذا كان لديهما ابنة. لكن هذا الأمر لا يجعل تبني طفل من نفس جنس الولد البيولوجي للعائلة ممكناً، كما أنّه لا يحلّ مشكلة الزوجين العاجزين عن الإنجاب. بعض المراجع الدينية في إيران تجعل موضوع التبني وتربية الطفل ممكناً بمجرد أن يتمّ إرضاع الذكر من قبل إحدى أخوات الأم، والأنثى من قبل إحدى أخوات الأب. كما يصبح ممكناً بحسب بعض المراجع عبر عقد زواج مؤقّت للطفل الذكر مع والدة الأم، الأمر الذي يرفضه المقداد أو فخري بما أنّ «الدخول في الوالدة» هو من شروط هذا العقد، بينما لا تضع بعض المراجع الشيعية في إيران «الدخول» شرطاً لتحقيق العقد.
مهما يكن، فإن هذه الآراء والاختلافات بين المذاهب والمراجع تؤكّد الحاجة الى قانون مدني للأحوال الشخصية يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ومن ضمنها الحق في التبنّي. فإذا كان الفرد ملتزماً باتباع مذهب معين أو رأي معين فهو حر، لكن معظم الحقوقيين يتفقون على أن إلزام الأفراد باتباع هذا المذهب أو ذاك الرأي يخالف الدستور، ولا سيما الفقرة (ج) من مقدمته التي تنص على أن «لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل». والمادة 7 التي تنص على أن «كل اللبنانيين، سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم». والمادة 9 التي تنص على أن «حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها، على أن لا يكون في ذلك إخلال بالنظام العام وهي تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية». ولا خلاف على تفسير المادة 9 التي تضع الدولة وقوانينها في مرتبة أعلى من قوانين المذاهب، فهي الضامن والحامي لممارسة الشعائر الدينية ولكن انطلاقاً من «حرية الاعتقاد المطلقة» وليس العكس.