عاد طلاب «اليسوعية» الى جامعتهم، مر يومهم بسلام من دون أي اشكال جديد. انتشر جنود الجيش اللبناني وعناصر قوى الامن الداخلي في الخارج لمنع انفلات الغرائز على الطريق، فيما تولى الضبط داخل الحرم موظّفو شركة الأمن الخاصة والموظفون الاداريون. ولكن هل انتهى الامر وعاد «المتحاربون» الى مقاعد الدراسة المتجاورة؟ هل نظّفوا رؤوسهم من الحشو «الطائفي» والخطاب «الحربي»؟ يبدو انهم اخذوا استراحة فقط.


الاشكالات الاخيرة اندلعت على خلفية نتائج الانتخابات الطلابية وما سبقها وتخللها وتلاها من شعارات استفزازية و«عنصرية» ضد الآخر، هذه الخلفية باقية، فالجامعة «اليسوعية» تستعد الآن لمعارك من نوع آخر، سيحاول كل طرف ان يُثبت انه هو الذي فاز بالانتخابات. هذه المرّة لن يكون حزب الله هو الطرف المباشر الذي تواجهه القوات اللبنانية وحزب الكتائب، بل التيار الوطني الحر. يصر كلا الطرفين (التيار والقوات) على أنه المنتصر، ويحاولان اقناع الرأي العام بمعطيات واثباتات بحسب ما يؤكد كل منهما لـ«لأخبار».
لا يختلف العمل السياسي في الجامعة اليسوعية كثيرا عن غيرها من الجامعات، فالانقسام الحاد في البلد يظهر بوضوح في كل الجامعات، ولكن ما يميّز «اليسوعية» عن غيرها، ان الفائز في الانتخابات يظهر في جميع الجامعات بعد صدور النتائج مباشرة، الا في «اليسوعية» حيث يعلن الجميع انتصارهم ويرفض كل طرف الهزيمة، ويستمر الانكار حتى الانتخابات التالية، وهكذا دواليك. الى ذلك، تُعتبر كلية ادارة الأعمال في الجامعة «اليسوعية» الكلية الأكثر حساسية، ولا سيما ان الاشكالات الاخيرة اعطتها حجما اضافيا عن حجمها المنفوخ اصلا، ولا سيما ان الاشكالات فيها اتخذت الطابع الطائفي بقوة واجبرت ادارة الجامعة على تعليق الدروس فيها يومين. وبعد نحو اسبوعين لا تزال الأجواء مشحونة بانتظار نتائج التحقيق الذي تقوم به ادارة الجامعة بهدف معاقبة «المشاغبين»، وما يزيد التوتر، بحسب مصادر مقربة من الادارة، ان بعض الطلاب أبلغوها بأنهم لم يمثلوا أمام التحقيق.
كيف يستطيع كل طرف ادعاء الفوز؟
لا تملك الجامعة اليسوعية أي حكومة طلابية أو مجلس طلابي موحد، بل هيئات طلابية في 13 كلية و22 معهداً، يتوزعون على 5 مجمعات في بيروت و3 مراكز تدريس في كل من صيدا وزحلة وطرابلس، ويتفاوت عدد أعضاء الهيئة الطلابية في كل كلية بحسب عدد الطلاب المسجلين فيها، فتعتمد الجامعة النظام الانتخابي النسبي على أساس أن كل صف هو الوحدة الانتخابية، ويحصل الصف الذي يقل عدد طلابه عن 50 طالباً وطالبة على ممثلين في الهيئة، وثلاثة ممثلين في حال تخطى عددهم الـ50.
تصدر نتائج انتخابات «اليسوعية» في المجمعات كافة بعد اقل من نصف ساعة على اقفال صناديق الاقتراع، وذلك لاعتماد الجامعة التصويت الالكتروني. ولكن ذلك لا يساعد ابدا في اجراء الفرز السياسي، نتحدث هنا عن فائزين وفائزات في عشرات الوحدات الانتخابية، ما يجعل الفرز من هذا النوع معقّدا ويعتمد على معرفة دقيقة بهوية الفائزين ولا سيما ان بعضهم غير مصنّفين. هذا الواقع يسمح لكل من الماكينات الانتخابية في التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية بإعلان الفوز الذي لا يقبل التشكيك، علما ان رصد اعلانات الماكينات يبين تقلبات في النتائج على مدى يومين بعد الانتخابات، وهذا وحده يسمح بارخاء ظلال الشك. اذ كيف يمكن تفسير ان رئيس مصلحة الطلاب في القوات اللبنانية، نديم يزبك، يؤكّد أنهم فازوا في 12 كلية مقابل 8 للتيار وفاز المستقلون بـ3 كليات، في حين ان رئيس قطاع الشباب في التيار الوطني الحر، أنطون سعيّد، يؤكّد فوزهم بـ16 كلية مقابل 4 للقوات و3 للمستقلين (دون احتساب الكليات خارج الحرم). يبدو ان القوات والتيار غير متفقين الا على ان المستقلين فازوا بـ3 كليات؟
القوات اللبنانية تحضّر لعقد مؤتمر صحافي بهدف دحض ادعاء الطرف الآخر، ويزبك تحدى سعيد ان يظهر الحقيقة في مؤتمر صحافي ايضا. سعيد رد على تحدّي يزبك بدعوته الى مناظرة علنية لاظهار الحقيقة الى الرأي العام.
ولكن اي حقيقة؟ سبق لـ«الاخبار» ان قامت باستقصاء التوزّع الحزبي للفائزين، وتبين ان التيار فاز بالعدد الاكبر من الكليات، ولكن القوات فازت بالعدد الاكبر من الكليات الكبيرة او التي يعدّها الطرفان مهمّة لهما.
يبدو ان كل طرف له معياره لتحديد المنتصر. سعيد يعتبر أن الغلبة العددية هي الطريقة المثلى لتحديد الفائز في «اليسوعية»، أما يزبك فلديه نظرة أخرى، اذ يعتبر أن من يفوز بادارة الأعمال وكلية الهندسة يعتبر منتصرا، وأن الكليات «الصغيرة» ليس لها أي دلالة أو مؤشر. لكن اذا ما استندنا الى ما يقوله يزبك، فالطرفان متعادلان اذ إن كلية الهندسة حسمت بالقرعة لصالح التيار.
اذا، طلاب «اليسوعية» ينتظرون «معركة» مؤتمرات صحافية ابطالها رؤساء الهيئات الطلابية أنفسهم. ولكن احدا لم يطرح سؤالا عن الدور الفعلي الذي تلعبه الهيئات الطلابية؟ لماذا تتصارع عليها القوى السياسية؟ ولاي اهداف؟
سبق للطرفان أن اعترفا بأن الهيئات الطلابية لا تتمتع بأي قوة حقيقية، وهي نتاج مهرجان «ديمقراطي» سنوي، هدفه شبه الوحيد قياس مدى تقدّم كل طرف على الآخر. ولولا الاشكالات الاخيرة في كلية ادارة الأعمال لما امتد الحديث عن انتخابات «اليسوعية» هذا الامتداد، فالعام الماضي (مثلا) لم تعرف النتيجة بشكل دقيق أيضا. الهيئات الطلابية لم تقم باي عمل يستحق الذكر سوى ندوة يتيمة نظمتها هيئة كلية الأداب والعلوم الانسانية عن الزواج المدني. ما عدا ذلك لم تفعل الهيئات الطلابية اي شيء للدفاع عن مصالح الطلاب وطرح قضاياهم، فالادارة في الجامعة لها سلطة قادرة على تقييد هذه الهيئات، وهي لا تمنحها أي هامش لحرية التحرك. وللتذكير، حين قررت احدى الهيئات التحرك أول العام الماضي للمطالبة بخفض تعرفة موقف السيارات المتعاقد مع الجامعة، ردت الأخيرة بتهديد منظمي الحراك. وعندما تم توقيع عريضة في احدى الكليات ترفض رفع الأقساط خاف منظموها حتى من الظهور على الاعلام.