برعاية وحضور رئيس الجمهورية، ميشال سليمان، وحضور رئيس الحكومة المكلف، تمام سلام، أُقيمت الثلاثاء الماضي احتفالية من احتفاليات تشييع الدولة اللبنانية ومؤسساتها العامة، فقد أطلق «لوبي» يتألف من عدد من أصحاب الرساميل مشروع «الذهب الأزرق» لإدارة الثروة المائية، داعياً المواطنين الى مساندة ضغوطه من أجل استبدال الإدارات الحكومية بـ«مجلس وطني للمياه»، يتقاسمه مناصفة «مندوبون عن الوزارات المعنية» و«خبراء من المجتمع المدني»، هم في الواقع مندوبو الشركات الخاصة والمصارف الطامحة إلى الانتفاع من ريوع المياه عبر الخصخصة. وذلك بحجة «الإدارة الضعيفة والسيئة» للمؤسسات العامة! هذا اللوبي يتخذ لنفسه اسماً فنياً هو «ملتقى التأثير المدني»، وهو نادٍ لـ«نخبة مجتمع الأعمال»، ويطمح إلى أن يكون «الدليل الأخلاقي لوعي الأمة»، بحسب تعبير مؤسس الملتقى فريد شهاب، وليكون أعضاؤه «الآباء المؤسسين» للبنان جديد، طبعاً بحسب ما يتخيّله اللوبي، علماً بأن الملتقى لا يملّ من تأكيد زهد أعضائه بالمنافع «المالية والشخصية والسياسية»!

«أصواتكم هي المفتاح لتحويل مياهنا ذهباً»!
«المنتصر هو لبنان! الرابح الأكبر هو أنت»! «يلّا ع المَيّ! يلّا لبنان!» بهذه العبارات تسوّق الحملة الدعائية مشروع «الذهب الأزرق»، في سعيها لحشد الرأي العام للتصويت لمشروع الخصخصة الجزئية لقطاع المياه. سلسلة من العروض على شاشات عملاقة، تركّز على قصور الإدارة العامة للموارد المائية، وتستعرض تصورات عامة لمشاريع غير واضحة المعالم، لا ترقى إلى مستوى الخطة، لتعِد الجمهور بأن الإدارة الهجينة المقترحة ستقوم بتنفيذها، ثم تكرر بلا كلل الدعوات إلى التصويت للمشروع عبر موقعه الإلكتروني، وعبر الرسائل النصية وموقع «فايسبوك». اعتمد أصحاب الـ«خطة» على حرفية شركات الإعلانات التجارية والتسويق التلفزيوني للترويج لمشروعهم، فاستُخدمت الموسيقى والإبهار البصري، وأدوار تمثيلية لعبتها وجوه ألفها الجمهور اللبناني في برامج الشاشات الصغيرة، واستُخدمت الشعارات التسويقية التي توحي بـ«شعور» ما، بدل إيصال فكرة أو مضمون ذي قيمة، كما في دعايات «كوكا كولا»، مثلاً. نجد العديد من شركات الدعاية والتسويق ضمن الشركات التجارية الداعمة للمشروع:
Leo Brunett, JWT-Beirut, IMAGIC, IMPACT BBDO.
تبرز من الحملة الدعائية المسماة مشروعاً جوانب قليلة محددة بدقة تشي بحقيقتها: «مشروع نموذجي» لمنطقة بيروت وجبل لبنان، التي اختيرت، وبكل صراحة، بفضل «الأداء المالي الجيد، مقارنة بمصالح أخرى»! أي بمعنى أوضح تم اختيار مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان كونها توفّر أرباحاً طائلة، وبالتالي «هدف المشروع تحويل مسؤوليات العمليات والصيانة إلى مشغلين خاصين»، أي خصخصة الأجزاء ذات الربحية من قطاع المياه!
ليس هناك خلاف على أن واقع قطاع مياه مزرٍ ويعاني من سوء الإدارة العامة له. والأسباب كثيرة، تبدأ بعدم وجود خطّة مدروسة من كل الجوانب في مجالات التوزيع وبناء السدود وصيانة شبكة نقل المياه المهترئة، ولا تنتهي بانفلات استخدام المياه من الضوابط. ولكن الغريب أن يرعى رئيس الجمهورية مشروعاً تجارياً يعلن إفلاس الدولة، وحاجتها إلى «منقذ» من القطاع الخاص، غايته الطبيعية هي الربح، وليس تقديم خدمة عامة.
يدعو المشروع/ الحملة إلى الاستعاضة عن «مصالح مياهنا العامة المقسمة والمأزومة» بشراكة بين الدولة والقطاع الخاص. ويوصي بداية بـ«إقامة البنى المؤسسية والقانونية التي تضمن الشفافية». ولكن مَن يستطيع الاطلاع على وقائع اجتماعات مجالس إدارة المؤسسات الخاصة، صاحبة المشروع، فضلاً عن محاسبتها، أو حتى التأثير فيها؟ وهل «السياسة» شأن مستقل عن المصالح الاقتصادية للفئات الاجتماعية كافة، ومنها لوبي «ملتقى التأثير المدني»؟
يطرح «المشروع» سلسلة توصيات، بدءاً بزيادة سعة الخزن المائي عبر إنشاء السدود، و«وصل الأحواض المائية» عبر «شبكة وطنية» تصل إلى كل «المدن والمصانع والمزارع» في البلاد، و«إعادة تأهيل شبكات التوزيع المائي» لخفض خسائر هذه الشبكات، وتنمية مصادر مياه جديدة، كاستثمار ينابيع المياه البحرية العذبة، وتطبيق نظام مراقبة لسلامة المياه، وترشيد الاستهلاك، وتشجير الغابات، وإنشاء محطات للتدوير المائي، واعتماد الري بالتنقيط بهدف توفير المياه، إذ يذهب أكثر من 55% من المياه إلى القطاع الزراعي، في ظل نظام الري التقليدي السائد، بحسب معدي المشروع، الذين يتوقعون أن «تزيد كمية المياه المتاحة إلى 500 مليون متر مكعب بحلول عام 2020، ثروة سيشترك بها لبنان كله»، في حال صوّت اللبنانيون للمشروع التجاري!
ولكن من هو هذا اللوبي، صاحب المشروع، الذي «ينزّه» نفسه عن السياسة والمصالح، ويعد بتقديم خدمة عامة شاملة لجميع المناطق والمواطنين؟ من هم هؤلاء الذين يمنّون النفس بتخصيص النشاطات المربحة من خدمات المياه العامة، عبر عقود «الشراكة بين القطاع العام الخاص» PPP، وبتحقيق فائض من المياه يتيح إنشاء قطاع تجاري لتعبئة المياه وتصديرها، بقيمة 600 مليون دولار؟
قُدمت خلال الاحتفالية شهادات كثيرة تدعم المشروع من كبار رجال الأعمال، منهم سمير حنا، المدير التنفيذي لمجموعة عوده، الذي أعرب عن «إيمانه» بالمشروع، ووليد روفايل، المدير العام لـ«البنك اللبناني الفرنسي»، الذي حيا المشروع «الجامع والموحد والمؤسس»، ونعمة فرام، صاحب مؤسسة «إنديفكو» الصناعية، الذي رأى في المشروع «مساراً لاستعادة روح لبنان»، ووليد عساف، المدير العام لشركة «بيبسي» التي «تشجع (المشروع) بقوة»، ومازن صالحة، مدير فندق فينيسيا، ومارك طابوريان، من شركة «صنين» للمياه المعبأة، ودانا نكد، مدير شركة «وردية» للمشتقات النفطية، وجيلبير غوسطين، مدير منطقة آسيا والباسيفيك في شركة DIAGEO للمشروبات الروحية، وغيرهم. قد يقتنع بعض المواطنين ذوي النوايا الحسنة بأن هؤلاء بعيدون فعلاً عن «السياسة»، ولكن هل تنجح الدعاية التجارية بإقناع عاقل بأن لوبي رجال الأعمال هذا لا يبتغي «المنافع المالية والشخصية»!؟
يتخذ لوبي رجال الأعمال من «ملتقى التأثير المدني» اسماً حركياً. ويحكم «الملتقى» مجلس يتألف بغالبيته من رجال الأعمال والمديرين التنفيذيين لمؤسسات خاصة، بحسب المؤسس، فريد شهاب، الذي نشر كتاباً عام 2011، بعنوان «رهان على وعي وطني»، يشرح فيه طبيعة «الملتقى» وأهدافه. (Leah Caldwell , http://english.al-akhbar.com/content/gift-elite-national-conscience-lebanon) يطلق شهاب على المجلس المسيّر للملتقى اسم «مجلس الحكماء»، حيث معيار الحكمة «الأوحد» هو الثراء، كما كان في «مجلس الشيوخ» Senate في الإمبراطورية الرومانية؛ إذ إن قدرة المرء على مراكمة الثروة هي «شهادة بالحكمة»! ويصف شهاب أعضاء مجلسه هذا بـ«الآباء المؤسسين والمستشارين الأول للأمة»! وعلى أعضاء المجلس أن يدفعوا «هبة» من 50 ألف دولار عند الانتساب، ورسم عضوية سنوي بقيمة 10 آلاف دولار.
يصرّ شهاب على أن «ملتقى التأثير المدني» غير معنيّ بالمنافع المالية والشخصية والسياسية، وأن هدفه تنمية «وعي غير سياسي»، و«تذكير اللبنانيين بأن المسائل الوطنية لا تُحلّ في الشارع، بل في أروقة الشركات والمؤسسات»، على خلفية الحراك الذي يشهده العالم العربي. يريد شهاب «استبدال اللغة السياسية الشعبية» بأخرى «اقتصادية منتجة»! لا يريد شهاب أن يكون لـ«الرعاع» دور في تقرير السياسات العامة «في الشارع»، ولكنه وصحبه في نادي رجال الأعمال بحاجة إلى مليون صوت من أصوات «الرعاع»، لإمرار مشروعهم التجاري هذا، ما يضطرهم إلى الاستثمار في حملة إعلانية تسويقية ضخمة، تخاطب هؤلاء على مستوى يفهمونه، مستوى الشعارات الدعائية الفارغة التي تدغدغ المشاعر والغرائز، والمؤثرات البصرية والصوتية.
نادي رجال الأعمال، الذي يسعّر «الحكمة» بالدولار، «في الشارع»، يريد أن يصوّت الناس لمشروعه لخصخصة مؤسساتهم العامة، أو الخدمات المربحة منها، على وجه الخصوص! «يلّا ع المَيّ! يلّا لبنان!»